الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
ترامب ونتنياهو وإيران.. إدارة الأزمة أم تأجيل الحسم الإستراتيجي؟

بواسطة azzaman

ترامب ونتنياهو وإيران.. إدارة الأزمة أم تأجيل الحسم الإستراتيجي؟

محمد علي الحيدري

 

في السياسة، أحياناً يكون الصمت أبلغ من البيانات، وغياب المؤتمر الصحفي أكثر دلالة من عشرات التصريحات. هذا بالضبط ما يمكن قراءته في الاجتماع المغلق الذي جمع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض، والذي انتهى بلا نتائج معلنة، وبلا صياغة مشتركة، وبلا إشارة حاسمة إلى اتجاه الرياح المقبلة في ملف هو الأكثر حساسية في الشرق الأوسط: إيران.

اللقاء، في جوهره، لم يكن اجتماعاً تفاوضياً بقدر ما كان جلسة “إدارة تباينات” بين حليفين استراتيجيين يختلفان اليوم أكثر مما يعلنان. ترامب، العائد إلى البيت الأبيض بعقلية الصفقة الكبرى، لا يزال يرى في التفاوض مع طهران فرصة لإنتاج “إنجاز سياسي” يُسجل باسمه، ولو كان محدوداً في نطاقه. نتنياهو، بالمقابل، ينظر إلى أي اتفاق مع إيران من زاوية تهديد وجودي، لا من زاوية توازنات مؤقتة أو مكاسب تكتيكية.

ما يميز موقف ترامب هذه المرة ليس فقط تفضيله المعلن للمسار الدبلوماسي، بل إصراره على إبقاء جميع الخيارات مفتوحة من دون الالتزام المسبق بأي منها. عبارته “لم نتوصل إلى شيء حاسم” ليست تعبيراً عن فشل، بل عن استراتيجية متعمدة تقوم على إدارة الوقت، واختبار نوايا طهران، واستخدام التهديد بالقوة كأداة تفاوض لا كخيار فوري. في هذا السياق، تأتي إشارته إلى عملية “مطرقة منتصف الليل” ليس كتذكير عسكري بقدر ما هي رسالة سياسية: واشنطن قادرة على الضرب، لكنها تفضّل أن لا تضرب.

صورة مختلفة

إسرائيل تقرأ المشهد بصورة مختلفة تماماً. بالنسبة لنتنياهو، المشكلة ليست في تفاصيل الاتفاق، بل في فلسفته. أي اتفاق يركز على البرنامج النووي وحده، من وجهة النظر الإسرائيلية، هو اتفاق ناقص بطبيعته، لأنه يترك لإيران هامش الحركة في الملفات التي تعتبرها تل أبيب أخطر على أمنها المباشر: الصواريخ الباليستية، وشبكة الحلفاء الإقليميين، والقدرة على خوض حروب غير مباشرة منخفضة الكلفة وعالية التأثير. من هنا، يمكن فهم استعجال نتنياهو لزيارة واشنطن، ومحاولته المبكرة للتأثير على مسار التفاوض قبل أن يتحول إلى مسار لا يمكن وقفه.

لكن السؤال الأهم ليس ما يريده نتنياهو، بل ما تستطيع إسرائيل فرضه. في ميزان القوة الحالي، تبدو واشنطن أقل استعداداً لمنح إسرائيل “حق الفيتو” على مسار تفاوضي ترى فيه الإدارة الأمريكية مصلحة استراتيجية أوسع. الولايات المتحدة، المنخرطة في إعادة ترتيب أولوياتها العالمية، لا ترغب في فتح جبهة عسكرية جديدة في الشرق الأوسط، ولا في الانجرار إلى مواجهة قد تعطل ملفات أكثر إلحاحاً على الطاولة الأمريكية.

من زاوية أوسع، يعكس هذا الاجتماع تحولاً في طبيعة العلاقة الأمريكية - الإسرائيلية. التنسيق الأمني لا يزال قائماً، والدعم السياسي لم يتراجع، لكن هامش الاستقلال في القرار الأمريكي بات أوسع مما اعتادت عليه الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة.

معادلة اشمل

لم تعد واشنطن تتعامل مع المخاوف الإسرائيلية بوصفها مسلمات، بل بوصفها عناصر في معادلة أشمل تتداخل فيها حسابات الردع، والدبلوماسية، وإدارة الأزمات.

أما إيران، فهي المستفيد الصامت من هذا التباين. مجرد استمرار المفاوضات، حتى من دون نتائج، يمنح طهران وقتاً ثميناً، ويخفف من احتمالات التصعيد الفوري، ويكرّس واقعاً تفاوضياً تعودت عليه جيداً: كسب الوقت مقابل تقديم إشارات مرونة محسوبة. في المقابل، تدرك طهران أن نافذة الدبلوماسية ليست مفتوحة إلى ما لا نهاية، وأن إدارة ترامب، رغم لغتها التفاوضية، ليست إدارة مترددة عندما تصل إلى قناعة بالفشل.

اللافت في هذا المشهد أن الاجتماع لم ينتج سياسة جديدة، لكنه أكد سياسة قائمة: إدارة الأزمة بدلاً من حسمها، وتأجيل الانفجار بدلاً من تفجيره. هذا بحد ذاته خيار استراتيجي، يعكس إدراكاً أمريكياً بأن لحظة الحسم مع إيران لم تنضج بعد، وأن كلفة التسرع قد تكون أعلى من كلفة الانتظار.

في المحصلة، لم يكن اجتماع ترامب ونتنياهو بلا نتائج كما قد يبدو للوهلة الأولى. النتيجة الحقيقية كانت تثبيت خطوط التباين، لا ردمها، وإظهار أن التحالف لا يعني التطابق، وأن الشراكة الاستراتيجية لا تلغي اختلاف الأولويات. وما بين دبلوماسية ترامب الحذرة وتشدد نتنياهو المألوف، يبقى الملف الإيراني معلقاً في منطقة رمادية، حيث لا حرب مؤكدة ولا اتفاق مضمون، بل لعبة أعصاب طويلة، تعرف جميع الأطراف أنها لم تصل بعد إلى فصلها الأخير.


مشاهدات 217
الكاتب محمد علي الحيدري
أضيف 2026/02/14 - 1:07 AM
آخر تحديث 2026/02/14 - 10:27 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 374 الشهر 10497 الكلي 13942141
الوقت الآن
السبت 2026/2/14 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير