الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الشاعر الاوزبكي رئيم فرهادي


الشاعر الاوزبكي رئيم فرهادي

أحمد جاسم ألزبيدي

 

ولد الشاعر رئيم فرهادي في عائلة امتهنت الطب في سمرقند في العام 1942 ورحل الى الدار الأبدية في العام 2024 .

انهى معهد الطب في العام 1973 وانهى دورة أدبية في موسكو في العام   1986 هوشاعروكاتب  وقد كتب للاطفال و للمسرح  وقد الف اكثرمن ستين  كتابا في  الشعر والنثر وصدرت كتبه في طشقند وموسكو وترجمت الى لغات شعوب الاتحاد السوفيتي السابق ولغات اجنبية أخرى .

هو شخصية اجتماعية معروفة وكان عضوا لرئاسة إدارة جمعية الصداقة الاوزبكية للعلاقات الثقافية مع البلدان الأجنبية والقسم الاوزبكي لمنتدى الثقافة السوفيتية .

حاز ابداعه على جائزة الكمسمول في العام 1976 وقد زار الراحل دول اجنبية عديدة من بلدان اسيا واوربا وافريقيا وقد زار العراق في العام 1988 بعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية  ضمن وفد الصداقة السوفيتية العراقية والقى قصديته الى بغداد في حفل ضم العديد من( الادباء والمثقفين ) العراقيين في تلك الحقبة  .  

وكانت سمة النضال من اجل السلام والتطور الاجتماعي والثقافي – بارزة في شعره ومقالاته .

يأتي الشاعر رئيم فرهادي من ذلك الأفق الإنساني الذي لا تعترف فيه القصيدة بالحدود، ولا تخضع الذاكرة الشعرية لجغرافيا واحدة. هو شاعر يكتب من عمق التجربة الإنسانية، حيث تختلط الحساسية الشرقية بوعيٍ ثقافي واسع، فتغدو قصيدته مساحة لقاء بين التاريخ والحنين، بين المدن والأرواح.

في قصيدته الموجَّهة إلى بغداد، لا يتعامل فرهادي مع المدينة بوصفها مكانًا فحسب، بل ككائن حيّ، جريح ونبيل في آنٍ واحد؛ مدينة تتكثّف فيها الذاكرة، ويختلط فيها المجد بالألم، ويصبح اسمها مرادفًا للإنسان حين يُختبر في أقسى لحظاته. لغته في هذه القصيدة شفافة ومشحونة بالعاطفة، بعيدة عن الخطابة، قريبة من الهمس العميق الذي لا يصدر إلا عن شاعر يرى في بغداد رمزًا كونيًا لا مدينة محلية.

إن ترجمة هذه القصيدة عن اللغة الروسية إلى العربية ليست مجرّد نقل لغوي، بل هي استعادة وجدانية لروح النص، وإعادة فتح جسر ثقافي بين لغتين وحضارتين، تلتقيان هنا عند اسم بغداد. فالكلمات المترجَمة تحمل في طيّاتها دهشة شاعر كتب عن مدينة ربما لم يعش فيها، لكنه سكنها شعريًا، وكتبها كما تُكتب الأوطان التي تُحب من بعيد.

بهذه القصيدة، يقدّم رئيم فرهادي شهادة شعرية صادقة لبغداد، شهادة تقول إن المدن العظيمة لا تموت، بل تنتظر من يكتبها بصدق.

 

شعر : رئيم فرهادي

ترجمة أحمد جاسم ألزبيدي - 1988

 

إلى بغداد

"أزف الموعد والوعد يمن

                     والغد الحلو لآهليه يحن "

شاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري

 

القصيدة

 

أشدُّ رحالي،

وأحلّق نحو بغداد

وفي جعبتي سرٌّ صغير،

سأبوح به حين يكتمل اللقاء .

 

أقف عند بوابة الجمارك،

وأقول:

هذه وديعة للأصدقاء

من طشقند أحمل

سلامًا دافئًا من أوزبكستان،

ومن سمرقند هديةَ خبزِها السمرقنديّ

لأرضٍ نهضت عليها بابلُ

فعانقت التاريخَ والعالم.

 

وهذه صفارة فخارٍ

يُرفرف فوقها عصفورٌ بخاري،

بعثها حجي نصرالدين

لأطفال العراق.

وقبعةٌ دوبيّ

من فرغانة الزرقاء

لفتيات العراق الجميلات

رمزُ الربيع،

وابتداءُ العشق.

 

يا دجلةُ والفرات،

ها أنا أضمّ ضفّتيكما،

وأحمل إليكما

تحايا سردريا وأمودريا

لآلئُ كلماتٍ

سترافقني في الطائرة،

لأهدي بغداد

أجملَ قصائدِ السلام.

 

أغادر بعيدًا

وأمّي قلقةٌ ترتجف،

فأربّت قلبها وأقول:

هناك… لا يطلَقُ الرصاص "!

وطفلتي الواجفة،

وزوجتي المذعورة

كيف أخبرهنّ

أن تلك البلاد، قبل حين،

هزّتها حربٌ

من البصرة حتى كربلاء،

وأن سماءها تمزقت شتاتًا بالنيران؟

 

رأيتُ الخرابَ في المنام،

ثقيلاً… باطلًا

معركةٌ طالت ثم انطوت،

وبقي في داخلي

فكري الوحيد: السلام.

 

يا شرقَ الحكمة،

يا من رأيتَ دورات الدهر،

يا أبيضَ من ملحِ العصور،

ويا غبارَ الطرق

الذي عمّد وجوهَ المسافرين

 

كم يبست الأكفُّ من الرمضاء

وهي تُحاول أن تشعل نارًا

بحجرٍ يحاكي حجرًا!

 

بابُ السعادةِ خفيّ،

لا يُرى

أما بابُ المصائب

فهو دائمًا مفتوحٌ على مصراعيه

 

كم حضارةٍ ذابت

في بحر النسيان،

وكم مملكةٍ اندثرت،

وكم قبيلةٍ تلاشت

فاسودّ وجهُ الأرض

من الدم والأوجاع.

 

في جرارٍ قديمة

اختلط حصادُ العصور:

قمحٌ وبذورُ خصام،

فإن زرعتَ… أنبتت:

قلاعًا بيضاءَ

وقصورًا تسكنها الأشباح،

وسرابَ مدنٍ

يتراءى في الصحراء.

 

وجوهُ الحروب واحدةٌ

في كل الأزمنة،

تترك خلفها

رمادَ النار

وخرابَ النهارات.

 

هنا أدرك جلجامش

غضبَ الآله عشتار،

وهنا طُعن القلب

برمحٍ لا يخطئ.

 

بكى البطلُ الخالدُ

صديقه أنكيدو،

حين غدر به الشرُّ

غدرًا فجًّا

فسقطتِ الأسطورة

وارتجف الفرحُ

كفأرٍ خائف.

 

هكذا تعلم جلجامش،

وتعلم الانوما أليش ،

أن الروح إن بقيت حيّة

غنّت للسلام

وغنّت للحياة.

 

كتبتُ لك يا بغداد

أبياتًا تسبح في التخمين،

وترفع أشرعةَ الثقة

كما فعل السندباد

يومَ عبرَ المجهول.

 

فاقبليها يا قبةَ الذهب،

يا مدينةَ العلماء:

الفارابي، الخوارزمي

الذين حملوا أسماء أوطانهم

زهوًا في رحاب المجد.

 

قرأنا كتبهم،

وتعلمنا حساب الطريق

بالنجوم

وفي عصر هارون الرشيد

كان الذهب لا يُعدّ،

لكن أنفس الناس

كانت أثمن:

العقل، والكرامة، والشرف.

 

أرى أسواقك،

وسفنًا على الأرصفة،

وقصورًا خُطفت فيها

فتنةُ زبيدة

 

وربما

لا تكفي آلاف الليالي

لرواية ما جرى

في لياليك القمراء.

 

سلامٌ مقدّس

منتظرٌ

كماءٍ حي

 

هذه العداوات القديمة

مكيدةُ الشيطان.

وفي الخليج

تحومُ أشباحُ الأساطيل،

والموجُ يتهامس خوفًا

عن طوفانٍ قادم.

 

أمّا المدافع

ففوهاتٌ من نار،

والصواريخ

سماءٌ تُشقّفُها الجراح.

 

وترنو الأمهاتُ

إلى آثار أبنائهنّ

الذاهبين

وتسأل الأنهارُ الهائجة:

هل نحتاجُ فلكَ نوحٍ جديدًا؟!

 

قُصفت المدينةُ ليلًا

وامتدت النيران.

هناك

سقط دفترُ الفراق،

وانفتح كتابُ الأشجان.

 

إن كان في بيت جارك

جوعٌ قاتل

ومائدتك عامرة

ستختنق بلقمتك.

 

وإن عمّ الوباءُ داره

تسرّب الطاعونُ إليك

من غير أن تدري.

 

الكذبُ والغدرُ والنهب

كلها تهدد بيتك،

مهما علت الأسوار.

 

سقطت القنابل طويلًا

على العراق

وعلى إيران

ونحن الفانون

نسأل الله الرحمة،

ونسأل القرآنَ السلام.

 

نقتسم الأفراحَ والأتراح،

سلامُ جارك

سلامٌ لبيتك.

 

سيعود الخريف

فيكسو السهول بالأوراق،

وتحلق معي

قوافلُ اللقالق.

 

يخفتُ دويُّ الفجر،

ويرقص شعاعُ الأمل

بين السحب الدافئة.

 

فلننهضْ معًا

كفى دمعًا،

كفى ألمًا.

 

أدعو لوئامٍ

يجمع المسيحيَّ والمسلم،

وحيث تشتعل العبوات

سنحرث الأرض،

ونزرع البساتين

لتعلم الأمهات

أن الحرب انتهت.

 

ليعود الأحياء،

ولا يموت الأبناء،

ولا تجري الأنهارُ

إلى الوراء.

 

ولتسكن النيرانُ

في كل الأرض

 

فالحياةُ تسير،

والخالدُ هو الإنسان.

 

يا أصدقائي،

أهديكم شعرَ السلام،

قصيدتي،

وثقتي بحسن الجوار

فنحن قادمون إليه،

كما أوصتنا

الأم—الأرض

بيتُ الإنسان.

 


مشاهدات 28
الكاتب أحمد جاسم ألزبيدي
أضيف 2026/02/09 - 2:14 PM
آخر تحديث 2026/02/10 - 1:39 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 70 الشهر 7001 الكلي 13938645
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/2/10 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير