الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
من قعر السجن إلى أفق الحرية..  الإرث الكاظمي في مواجهة قمع الحداثة

بواسطة azzaman

من قعر السجن إلى أفق الحرية..  الإرث الكاظمي في مواجهة قمع الحداثة

علي قاسم الكعبي  

 

 

لا يمكن قراءة تاريخنا العربي والإسلامي بمعزل عن الصراع الأزلي بين “الكلمة الحرة” و**”السلطة القمعية”**. فالمتأمل في تدوين التاريخ ما بعد عصر النبوة، يدرك أن أقلاماً سُخِّرت لتشويه الثورة المحمدية؛ تارة بأيدٍ حاقدة استكثرت على الإسلام سلبها الملك والسلطة، وتارة بأيدي مستشرقين حاولوا تصوير النبي (ص) بصورة الضعيف أو المخطئ -حاشاه الله- للتشكيك في وصاياه ومستقبل أمته.

اصنام حجرية

تحطيم الأصنام.. في النفس لا في الكعبة

ليس من المنطق أن يترك النبي (ص) أمةً وليدة دون بوصلة تقودها، وهو الذي يعلم أن تحطيم الأصنام الحجرية في الكعبة كان أهون بكثير من تحطيم أصنام الجاهلية الكامنة في نفوس البعض. هذا التنكر للوصايا النبوية أدى بالضرورة إلى ظهور تيار “المعارضة الرسالية” التي رفضت الانحراف، ودفع أصحابها أثماناً باهظة من التضييق والتعذيب.

وفي طليعة هؤلاء، يبرز الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) كأيقونة تاريخية، و**”أول سجين رأي”** بالمعنى السياسي العميق. لم يُسجن الإمام لجريرة عسكرية، بل لأن وجوده كان يمثل “الشرعية البديلة” التي تقض مضاجع العباسيين. لقد فُرضت عليه الإقامة الجبرية، ومُنع من الاتصال بأتباعه، ونُقل من سجن إلى آخر أشد قسوة؛ ليس لشيء إلا لأن وعيه وعلومه كانا يفضحان الواقع الفاسد للسلطة، حتى قضى شهيداً مسموماً في سجن هارون.

من زنزانة “السندي” إلى سجون العصر

إن قصة الإمام الكاظم ليست مجرد حدث تاريخي نبكي عليه، بل هي “مانيفستو” (بيان) لحرية التعبير. واليوم، نرى المشهد يتكرر بصور أكثر قتامة في عالمنا العربي؛ فحرية الرأي التي تُعتبر في الدساتير حقاً أصيلاً، تتحول في الواقع إلى “ناقوس خطر” يهدد عروش الأنظمة.

تشير تقارير المنظمات الدولية، ومنها لجنة حماية الصحفيين (CPJ)، إلى واقع مرير في منطقتنا، ولا سيما في بعض دول الخليج التي تذيلت مراتب حرية الصحافة. ففي الكويت مثلاً، تُستخدم تهمة “الإساءة للذات الأميرية” لسجن الناشطين، بل ووصل الأمر إلى عقوبة سحب الجنسية لكسر الإرادة. أما في السعودية، فقد أصبحت دعوات الإصلاح رديفاً لـ “الردة” في نظر السلطة، وما قضايا المدونين والباحثين إلا شواهد على ضيق صدر السلطة بالكلمة. وفي البحرين، يواجه الأحرار أحكاماً قاسية لمجرد ممارستهم حقهم الفطري في التعبير.

اطلاق سراح

هل الإمام مسجون فينا؟

السؤال الذي يجب أن نواجه به أنفسنا: هل ما زال الإمام الكاظم مسجوناً في عقولنا؟ إن حصر الإمام في إطار المظلومية التاريخية الصرفة هو سجن آخر لفكره. إن إطلاق سراح “فكر الإمام” يعني أن نتمثل شجاعته في قول الحق، ورباطة جأشه أمام الجلاد.

لقد كان الإمام الكاظم أعبد أهل زمانه، لكن عبادته لم تكن انعزالاً، بل كانت كدحاً في الأرض وتلمساً لحاجات الفقراء ليلاً، وحملاً لهموم الأمة نهاراً. السجن بالنسبة للسلطة هو وسيلة لـ “تعبيد” الأحرار، لكن بالنسبة لمن سار على نهج الكاظم، يظل السجن منطلقاً للثورة، ويبقى الفكر عصياً على القيد.

إن صرخة الحرية التي أطلقها الإمام الكاظم من قعر سجنه هي ذاتها الصرخة التي يرددها كل سجين رأي اليوم. فهل تعلمنا من “صاحب السجدة الطويلة” أن الحق لا يسقط بالتقادم، وأن الكلمة الصادقة أقوى من السجان؟»


 


مشاهدات 60
أضيف 2026/02/07 - 12:22 AM
آخر تحديث 2026/02/07 - 6:14 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 189 الشهر 4645 الكلي 13936289
الوقت الآن
السبت 2026/2/7 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير