من صيدنايا إلى الأشرفية
شيرزاد نايف
ما صدّقنا أن انتهى زمن النظام البعثي بقيادة بشار الأسد، بهروبه وسقوط هيبته، بعد عقودٍ من القمع والقتل المنهجي، وبعد أن تكشّفت أمام العالم فضائحه واحدةً تلو الأخرى؛ من البراميل المتفجرة، إلى المقابر الجماعية، إلى سجن صيدنايا، ذلك الاسم الذي لم يعد مجرد مكان، بل صار اختصارًا للرعب، للجوع، للتعذيب، ولأجسادٍ ذابت في العتمة عبر سنواتٍ طويلة.
كم من إنسان دخل صيدنايا ولم يخرج؟ كم من أمٍ انتظرت، وكم من أبٍ مات قهرًا، وكم من طفلٍ كبر وهو لا يعرف إن كان والده حيًا أم صار رقمًا في سردابٍ منسي؟
ظنّ السوريون، ومعهم أحرار المنطقة، أن عام 2026 سيكون بداية زمنٍ جديد؛ زمن التطور، وحقوق الإنسان، وانفتاح العالم، وانتهاء منطق العصا والذبح. لكن المفارقة القاسية أن ما جاء بعد الأسد لم يكن أقل قسوة، بل أعاد إنتاج العنف ذاته، بلغةٍ دينية هذه المرة، وبشعاراتٍ زائفة عن “التحرير” و“الشرع”.
نظامٌ جديد، بقيادة الشرع، يمارس أفعالًا لا تقل وحشية عمّا سبقه. رأينا كيف عومل الدروز، ونرى اليوم كيف يُعامل الكرد، بحججٍ واهية لا تصمد أمام أي منطقٍ أخلاقي أو قانوني.
ما الذي يحدث في أحياء الأشرفية والشيخ مقصود في حلب؟
أي عقلٍ يبرر التهجير القسري للمدنيين الكرد بحجة وجود قوات قسد، مع أن هذه القوات – سواء اتفقنا أو اختلفنا معها – هي جزء من المشهد السوري الجديد، ونتيجة طبيعية لسنوات من الفراغ والعنف؟
ما يحدث هناك ليس “إجراءات أمنية”، بل أساليب حيوانية إرهابية في التعامل مع مدنيين عُزّل: إذلال، اقتحام بيوت، ترهيب أطفال، طرد عائلات من منازلها، وكأن المواطن الكردي لا يملك حق العيش على أرضه.
رأينا في الإعلام مشاهد لا يمكن لعقلٍ إنساني أن يتقبلها:
التمثيل بالجثث، إهانة الموتى، والتشفّي بأجسادٍ صامتة.
جثة المقاتلة الكردية التي قاومت حتى نفاد عتادها، ثم اختارت الموت على الأسر، لتُرمى من الطابق العلوي لعمارة، في مشهدٍ هزّ الضمير الإنساني. لم تكن تلك المرأة مجرد مقاتلة، بل صارت رمزًا؛ رمزًا لدور المرأة الكردية، لشجاعتها، لرفضها الخضوع، ولكل الأحرار الذين يرون في الحرية فعل مقاومة لا شعارًا.
ورأينا أيضًا فيديوهات لمقاتلين تابعين للشرع يقتحمون بيوتًا، يعتدون على أطفال في التاسعة من العمر، بينهم رضيع. أي جهادٍ هذا؟ وأي دينٍ يبيح ترويع الأطفال؟
ورأينا أسرى يُجبرون على تقليد نباح الكلاب، أسرى أكبر سنًا من جلاديهم، في مشهد إهانةٍ متعمدة لكسر الإنسان قبل الجسد.
هل هذا تصرّف مسلمين؟
هل هكذا تُصان الكرامة التي أوصى بها الإسلام؟
أين الرحمة التي كانت جوهر الرسالة؟ (وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين).
شيخٌ كبير في السن، لحيته بيضاء، صائم، يُهان أمام عائلته ثم يُطلق عليه الرصاص. أي شريعة هذه؟ وأي فتوى تبرر قتل شيخٍ أعزل؟
ثم نرى إرهابيًا يسجل فيديو، يفتي فيه بسبي نساء الكرد والاعتداء عليهن أمام أزواجهن وآبائهن وإخوتهن، مرتديًا ملابس قذرة لا تليق إلا بعقلٍ ملوث بالعنف والكراهية. هذا ليس دينًا، هذا انحطاط أخلاقي مغطى بلحية وسلاح.
إن كان هؤلاء صادقين في ادعاء “التحرير”، فليتجهوا إلى الجولان، إلى القنيطرة، إلى القدس المحتلة. هناك أرضٌ مغتصبة، وهناك عدوٌ واضح.
أما الاعتداء على الكرد، على الدروز، على المدنيين السوريين، فلن يصنع دولة، ولن يبني مستقبلًا، ولن يخلق إلا دورة جديدة من الدم.
مستقبل الرحمة في سوريا لن يُبنى بالسلاح وحده، ولا بالفتاوى المتوحشة، ولا بإذلال الآخر. الرحمة لا تُفرض بالقوة، والعدالة لا تولد من فوهة بندقية.
ومن لا يتعلم من صيدنايا، سيصنع صيدنايا جديدة، حتى لو غيّر الاسم والشعار.
التاريخ لا يرحم الجلادين، مهما تلونوا.