الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الحق يقال .. إحترموا أهل الدار

بواسطة azzaman

الحق يقال .. إحترموا أهل الدار

لويس إقليمس

 

الضجيج الواسع والصاخب هذه الأيام في عدد من بلدان العالم الغربي الذي افتقدَ النخوة على مصير ومستقبل شعوبه التي عرفت أجيالُها الطمأنينة والسلام والرخاء وقبول الآخر المختلف لسنوات وعقود وقرون، بدأ بصحوة عكسية عارمة بعد إدراكه متأخرًا فقدانَه مقودَ الإدارة السليمة وأدبيات تسيير شؤونه القومية والطوبوغرافية والجيوسياسية والاقتصادية والدينية والاجتماعية، ما بدا ضروريًا قيامَه بتنظيف بيته من الشوائب التي طرأت عليه خلسةً في غفلةٍ منه أو بتبريراتٍ شافقة. فإذا كان أصحابُ الأرض الأصليون والمضيفون كرماءَ جدًّا حين استقبالهم شتى أشكال القادمين بل الغازين الجدد من اللاجئين والمهاجرين الذين شعروا في حياتهم الخاسرة والمملّة والفاقدة لأي شكلٍ من أشكال الإنسانية في بلدانهم الأصلية بعد يأسهم الأكيد من عيشهم المترع بالآلام والمآسي والجوع والعطش والتنكيل وفقدان حرية التعبير والرأي وركوبهم قوارب الموت بحثًا عن حياة أفضل، فهُمُ اليوم أمام اختبار عسير ومفصليّ: إمّا تسليم المقود بأيدي هؤلاء الغرباء والدخلاء وتغيير شكل وهوية وطبيعة حياة بلدانهم الأصلية وتركيبتهم السكانية بعد مرور سنوات قليلات قادمات حين تمكّن هذه المجاميع المهاجرة واستفحالها وغزوها لمواقع البلدان المضيفة ومراكزها الأساسية والعبث بهويتها وعقيدتها وقومياتها الخالصة وطريقة عيشها، أو إكمال صفحة الصحوة الجديدة العارمة التي بدأت بوادرُ أجراسها التنبيهية تقرعُ صارخةً ضارعةً هذه الأيام لوضع الحدود الممكنة قبل فوات الأوان.

هناك دعواتٌ ملحّاتٌ ضاغطاتٌ وطنية لوضع حدود قصوى وصارمة إزاء التجاوزات المتزايدة الكثيرة من الجماعات المهاجرة غير المنضبطة والمؤدلجة في معظمها بالضدّ من أنظمة وبلدان الغرب المسيحي المتهالكة وهويتها الدينية. ولعلَّ أهمَّها وفي مقدمتها الدعوة الخالصة بزيادة الإنجاب لرفدها بطاقات بشرية جديدة لسدّ النقص في الأيدي العاملة والمنتجة بسبب قلّة إنجاب المرأة الغربية التي تتجنب النفقات الضريبية الوطنية المكلّفة للمعيشة وذلك ضمانًا لبقائها وديمومة وجودها. وربما كان هذا من ضمن التبريرات الهزيلة التي لجأت إليها بلدان الغرب لاستقدام الأيدي العاملة الخارجية دون تمحيص كحلٍّ مفترض لإدامة زخم الحياة فيها بغية المساهمة في الخدمات وزيادة الإنتاج في المصانع والمعامل وفي الزراعة وغيرها.

خطوات غير مدروسة

بهذا الصدد، نقول، عندما بدأت موجات الهجرة تتدافع باتجاه العالم الغربي في مرحلة حرجة من اضطراب سكّاني شمل مناطق واسعة من قارات العالم بحثًا عن حياة أفضل حينما ضاقوا ذرعًا في أوطانهم التي لم تتسع لهم وطنيًا وإنسانيًا واجتماعيًا واقتصاديًا، كان الغرب المسيحي «الكافر» أول المنقذين لتلك الموجات البشرية الزاحفة بهدف تأمينها لها حياة آدمية وفق ما تتطلبه وتفرضُه الواجباتُ الإنسانية البحتة والأخلاق المسيحية المتسامحة المشحونة بمحبة الآخر حتى المختلف معهم في العقيدة والفكر وأسلوب العيش. فكان أن فتحت بلدانُ الغرب المسيحي «الكافر» هذا أبوابَها على مصاريعها لإنقاذ هذه الحشود العارمة الفارّة من جحيم «بلدان الإيمان» التي لم تستطع زعاماتُها العربية والإسلامية التكفّل بعيشهم ومنحهم ما تستلزمه حقوقُ المواطنة والإنسانية من عيش مقبول وحياة طبيعية هي أساسًا من صلب واجباتهم في إدارة دولهم وشعوبهم. وكانت ألمانيا أولَ المدافعين عن فكرة فتحها على عهد المستشارة «أنجيلا ميركل» التي بحسب البعض من المراقبين والمحلّلين قد ارتكبت واحدةً من أكبر الأخطاء السياسية بحق طبيعة حياة مواطنيها وهوية بلدان الغرب عامةً والمصونة في الدستور وأخلاق الشارع والعمل والسلوك اليومي. فقد أخفقت السيدة المستشارة في استشراف مستقبل بلدها وجيرانها حينما لم تأخذ في الحسبان كلّ ما من شأنه تأمين الوضع الهيكلي لعموم بلدان قارتها واضعةً نصب عينيها فقط الهدف الإنساني في أولى الأولويات في قصور واضح في الرؤية المستقبلية لما قد تشكله تلك الموجات البشرية الطاغية غير المأمونة عقائديًا من أضرار ومشاكل وأزمات لاحقًا، كما نشهده هذه الأيام. وهذا ما حصل، فقد «وقع الفاس في الرأس»، كما يُقال! في الوقت ذاته، يرى هذا البعض الممتعض من تلك الخطوة غير المدروسة الضاغطة إنسانيًا آنذاك، أنّ الغرب المسيحي «الكافر» كان غافلاً عن مبدأ أساسيّ للهدف مابعد وماوراء تلك الموجات لحين استكانة بعض أفرادها المدسوسين واستفحالهم واعتدادهم عددًا وعدّةً وفقًا لمبدأ «التقيّة» الغافل عنها الغرب آنذاك ولغاية الساعة في فكر الكثير من زعاماته وشعوبه البريئة بسبب انتهاجه سياسة ومبدأ «العلمانية» المنقوصة وفقده بسببها أسسَ أبجدياته عندما آثرَ تركَ أخلاق دينه جانبًا والتخلّي عن أدبيات إيمانه المسيحي القويم وأسس العقيدة التي اتسم بها والتي طبعت حياة شعوبه المسالمة انطلاقًا من هذا النهج غير الصائب في تشريع وتطبيق قوانين الهجرة الرخيصة وغير الحكيمة، ما أوقعه في مأزق مصيريّ لاحقًا في الوسائل الكفيلة للتخلّص من وصماتها الكثيرة.

مقارعة تيارات

من هنا، يبدو أنّ إدراك الغرب المسيحي كان قاصرًا حقًا في تقييمه وتقويمه بسبب ضغوطات اليسار المتغلّظ والمتصلّب والمتطرّف في مواقفه السياسية الانتقامية من منافسه اليميني الوطني لأسباب إنتخابية بحتة. بالمقابل، قد تحسبُ أحزابُ اليسار الغربي المتماهي والمتعاطف مع هيجان الغزاة الجدد في موجاتهم المتلاحقة أنها كسبت الرهان آنذاك في مقارعة التيارات الوطنية اليمينية المنغلقة بعض الشيء على فكرة حصانة مواطنيها وأراضيها وهوياتها من أية وصمة دخيلة عندما كسبتْ أصواتَ الغرباء لصالح صعودها على منصات الحكم في سباق الانتخابات. لكنهم بفعلتهم غير المحسوبة يكونون قد اقترفوا خطايا كبيرة.

 بحق بلدانهم وشعوبهم وسلامة نواياهم. وهذا ما يظهر في المشهد السياسي هذه الأيام بالكشف عن وجوه هذا النفر الهائج وغير المندمج مع أهل الدار وفي سلوكهم وطبيعة فكرهم ونواياهم المبطنة بظهورهم على حقيقتهم المروّعة وغاياتهم الخبيثة في اقتناص الفرص لبثّ السموم في المناسبات الخاصة بشعوب البلدان التي آوتهم وساعدتهم. فما نقلته وسائل التواصل الاجتماعي وقنوات فضائية مؤخرًا لسلوكيات مشينة غير مقبولة من أطرافٍ مدسوسة لفئات تنتمي للموجات المهاجرة الأخيرة التي وصلت بلدانَ «الكفر» وهي تهاجمُ وتعتدي وتهدّد وتقتحم وتخرّب احتفالات شعوب هذه البلدان في مناسباتهم وأسواقهم الممتعة بوصفها ب»أسواق الكفّار» لا يمكن التغاضي عنه. فهذا شكلٌ من أشكال الإخلال بالنظام العام المنافي للأخلاق ونكرانٌ لكرم الضيافة.

 القشّة التي قصمت ظهر الغرب!

عندما اختار اللاجئون والمهاجرون بلدان الغرب «الكافر» خارجين خالي الوفاض من بلدان «الإيمان» التي غادروها غير مأسوفٍ عليها، كان الأحرى بهم قبل الانزلاق لأية أفعال غير قانونية وغير أخلاقية أن يدركوا فحوى أفعالهم بعدم فرض أجنداتهم وقوانين بلدانهم وشريعة أديانهم ومذاهبهم المتخلفة وشكل حياتهم المقرف على شعوب البلدان التي تلقفتهم في مساعي إنسانية حتمية بضرورة التزامهم باحترام قوانين البلد المضيف وأرضه وشعوبه وهوياته الأصلية المتعددة. وربما كانت هذه الصورة القاتمة في القرار المضغوط وغير المدروس من كلّ جوانبه، هي القشّة التي قصمت ظهور بلدان الغرب الأوربي والأمريكي على السواء. وما عل هذه المجاميع الغوغائية إلاّ أن يقتنعوا بأنّ احترام الآخرين يبدأ باحترام المكان الذي يعيش فيه الإنسان، مهما كان دينُه أو جنسُه أو هويتُه أوعقيدتُه أو مذهبُه أو لونُه. وهذه من ضمن البديهيات في المجتمعات  المتطورة، والمسيحية بخاصة. ولعلَّ ما حصلَ ونسمعُه ونشهدُه في أمريكا وكندا وبلدان الأوقيانوس ومنها استراليا، من جرائم ومخالفات وهجمات تمّ عن حقد دفين وكراهية ضدَّ أهل الدار قد يكون مماثلاً لما فعلته أوربا من حيث عدم الفرز في انتقاء الصالحين من الجاهزين والقابلين للاندماج في المجتمعات الجديدة المختلفة معهم تمامًا في الدين والفكر والنظرة إلى الحياة من منظور إنسانيّ وأخلاقيّ قابل للتطوّر بالرغم من الاختلاف.

ربَّ قائلٍ: إذا كان نفرٌ من هؤلاء الغزاة الجدد لا يؤمنون أصلاً بحرية العقيدة والفكر والرأي ويختلفون عن أهل الدار في هذه وفي غيرها من موجبات الحياة الطبيعية والتقليدية المتوفرة والمعاشة في بلدان الغرب «الكافر» كما تدّعي هذه الفئة الضالّة غير المنضبطة لكون شعوب البلد الذي أرادوا احتلاله بطُرقهم ونواياهم المبطنة بسبب انتهاجها طريق العلمانية في سياستها، فليس من حق هؤلاء المغرضين وصانعي الشرّ فرضَ آدابهم ورؤيتهم وهويتهم وعقيدتهم وشريعتهم على أهل الدار. بل عليهم الحرص الطبيعي والأخلاقي من منظور ردّ العرفان ألاّ ينساقوا وراء المهرّجين المؤدلجين الساعين لاغتصاب مَن آواهم وأطعمهم وأفلح في تشغيلهم وتعليمهم ورفدهم بحياة هادئة وهانئة في ترف وراحة لم يألفوها في بلدانهم الأصلية. وإذا كان الهدف يدور بهدف تعزيز شهاداتهم العقائدية والدينية والمذهبية، أليسَ الأحرى بهم أن يعيشوها في بلدانهم الأصلية التي غادروها للأسباب التي لا يمكن طيُّها ونسيانُها وتجاهلُها؟ والحق يُقال: لا يمكن القبول بفكرة فرض هذه الفئات لقوانينِها الدينية والمذهبية والاجتماعية على البلد المضيف، ومنها قطع الطرق وافتراش أرضيات الشوارع والساحات العامة بحجة إقامة الصلاة ومهاجمة التجمعات والكنائس والأسواق الخاصة بالمناسبات الدينية وغيرها من الممارسات المستهجنة. وقد تشهد العديد من بلدان الغرب المتآكلة داخليًا وخارجيًا قريبًا وربما في الأشهر والسنوات القليلة القادمة تغييراتٍ في طبيعة قوانينها وإدارة سياساتها وطوبوغرافيتها بسبب انحدارها إلى الدركات السفلى في سياساتها واقتصادياتها التي بدأت تتهاوى بسبب زيادة نفقاتها من دافعي الضرائب ومن برامج المساعدات التي أثقلت كاهل ميزانياتها. وهذا ما حرّك مؤخرًا الداخل الأوربي الذي صحا على أزمات خانقة وقاتلة نتيجةً لسياسات الهجرة المفتوحة وغير المقننة التي انتهجتها زعاماتُه في فترات الضياع والمتاجرة بمستقبل الهويات الوطنية والدينية والاجتماعية الأصلية طيلة سنوات الضياع الفكري والمجتمعي والدينيّ للأسباب التي يعرفُها الجميع. وهذا أيضًا ما أتاح الفرصة لهذه المجتمعات الغازية غير المنضبطة بالسعي لفرض أجنداتها وقوانينها الشرعية ورؤيتها الاجتماعية ومعها  أيديولوجية الأطراف التي تحرّكها داخليًا وخارجيًا.

 عمومًا، وبالنتيجة لا بدّ لبلدان الغرب الآيلة إلى التراجع والإفلاس في كلّ شيء، من إعادة تقييم سياساتها والنظر في أبجديات قوانينها إزاء هذه الظاهرة السلبية التي أخلّت بموازين القوى البشرية والسياسية والدينية والطوبوغرافية في بلدانها وأثّرت على مواطنيها بهدف الحذر من عدم انزلاقها إلى ما لا تُحمدُ عقباه. فالمجتمع الدولي الذي يراقب الأحداث الراهنة بخصوص وضع ملايين المهاجرين وطالبي اللجوء الذي وقفت له الإدارة الأميركية مؤخرًا كالصقر مطالبةً مشرّعيها وإدارتها التنفيذية بوضع حدود لشكل ما أسست له أوربا في سياساتها غير الرصينة، يرى هو الآخر في استفحال هذه الأزمة إمكانية الانزلاق إلى مسارات أكثر كارثية من تغييرٍ قابلٍ في التركيبة السكانية والدينية فيها في حالة ترك الحبل على الغارب من دون معالجة وحدود وإجراءات رادعة للتقييم والتقويم. وهذا ما تفعلُه إدارة الرئيس الأمريكي «ترامب» فعليًا بإعادة النظر في قوانين الهجرة وأبجدياتها عندما وقفت على المأزق الذي وقعت فيه بلادُه من بعض أطراف هذه الجماعات التي استغلّت ثغرات وتسهيلات إنسانية وأخرى مغرضة هادفة لكسب أصوات الناخبين من هذه الفئات الانتهازية. فما حصل مؤخرًا من هجمات وتوترات وتهديدات من قبل جماعات تنتمي إلى هذه الفئات في أوساط مجتمعات بلدان الغرب الأمريكي والأوربي وفي عقر دارها لا يمكن التغاضي عنه.

كلمة أخيرة: «يا غريب كنْ أديب»! و»احترمْ أهلَ الدار»!


مشاهدات 73
الكاتب لويس إقليمس
أضيف 2026/01/11 - 4:00 PM
آخر تحديث 2026/01/12 - 2:56 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 102 الشهر 8281 الكلي 13115704
الوقت الآن
الإثنين 2026/1/12 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير