إرتفاع أسعار الذهب في العراق.. ضرائب متقلّبة وسوق يدفع الثمن
حنان محمود عبد الرحيم
لم يعد صعود أسعار الذهب في العراق مسألة مرتبطة بالسوق العالمية فقط، بل تحوّل إلى نتيجة مباشرة لسياسات داخلية متناقضة، تقوم على فرض الضرائب ثم التراجع عنها ثم العودة إليها، دون مسار اقتصادي ثابت يبعث الطمأنينة لدى المواطن.
منذ عام 2015، دخلت الضريبة بوصفها أداة لسد العجز المالي، لا ضمن رؤية إصلاحية طويلة الأمد. فرض ضريبة المبيعات على كارتات الهاتف النقال آنذاك لم يكن مجرد إجراء مالي، بل رسالة مبكرة بأن المواطن هو الحلقة الأضعف في معادلة الأزمة.
ادخار تقليدي
عند تلك النقطة، بدأ الذهب يأخذ موقعًا مختلفًا في الوعي العام، ليس زينة ولا ادخارًا تقليديًا، بل وسيلة دفاع اقتصادي.
في تشرين الثاني 2022، ألغت الحكومة ضريبة الكارتات بعد تسلّمها السلطة بأسابيع قليلة، في خطوة قرأها الشارع على أنها اعتراف ضمني بثقل العبء الضريبي. هذا القرار أعاد بعض الهدوء، لا لأن السوق استقر فعليًا، بل لأن المزاج العام شعر بوجود نية تخفيف، حتى وإن كانت مؤقتة.
غير أن إعادة فرض الضريبة في كانون الأول 2025 بددت هذا الشعور سريعًا. العودة إلى القرار نفسه، من دون تمهيد اجتماعي أو بدائل واضحة، أعادت إنتاج القلق ذاته، وربطت المواطن مجددًا بسيناريو واحد: كلما ضاقت السياسة المالية، اتجهت اليد إلى جيبه أولًا. عندها، لم يعد الذهب خيارًا، بل رد فعل طبيعي.
سنوات طويلة
ثم جاء تفعيل التعريفة الجمركية مطلع 2026 ليضيف ضغطًا آخر.
التطبيق المفاجئ لقانون ظل معطّلًا لسنوات طويلة عزز المخاوف من موجة غلاء عامة، وأرسل إشارة واضحة إلى السوق مفادها أن القادم أعلى كلفة. هذه الإشارة وحدها كافية لدفع الطلب على الذهب صعودًا، حتى قبل انعكاس الأسعار فعليًا.
اللافت أن الحكومات المتعاقبة تعاملت مع الضرائب بوصفها قرارًا منفصلًا، لا عنصرًا حساسًا في منظومة الثقة والسوق.
بعكس ذلك، يقرأ القرار الضريبي بوصفه مؤشرًا نفسيًا قبل أن يكون رقمًا ماليًا. كل قرار متقلّب يراكم الشك، وكل شك يترجم شراءً للذهب، وكل شراء يرفع السعر.
هنا، لا تكمن المشكلة في الذهب، ولا في سلوك المواطن، بل في سياسة مالية تتغير أكثر مما تُفسَّر، وتُفرض أكثر مما تُناقش. المواطن لا يهرب إلى الذهب طمعًا، بل بحثًا عن أمان فقده في العملة، وفي الخطاب الاقتصادي، وفي استقرار القرار.
ارتفاع الذهب في العراق، بهذه القراءة، ليس ظاهرة اقتصادية بحتة، بل نتيجة مباشرة لسياسات ضريبية قصيرة النفس، تُدار بردود أفعال، لا ضمن رؤية ثابتة. وهو إنذار صريح بأن أي إصلاح لا يبدأ بالثقة، سينتهي بسوق قلق، ومواطن يبحث عن ملاذه خارج الدولة.
تدريسية في قسم التاريخ