صراع نفوذ أم سوء تقدير؟
انمار الجوادي
أعاد الخلاف الأخير بين الحزب الديمقراطي الكردستاني وحزب تقدم فتح ملف العلاقة الملتبسة بين القوى الإقليمية والفاعلين الجدد في المشهد السياسي العراقي، وسط تساؤلات جوهرية: هل يخدم هذا التصعيد الطرفين، أم أنه يضعفهما معًا؟ وهل كان استخدام (الفيتو) خطوة سياسية محسوبة أم مغامرة مكلفة؟ والأهم: هل سيمرر حزب تقدم هذا الخلاف بهدوء أم سيحوّله إلى ورقة ضغط لاحقة؟
من حيث الشكل، يبدو الخلاف تعبيرًا عن صراع نفوذ أكثر منه اختلافًا مبدئيًا. فالديمقراطي، بوصفه حزبًا تقليديًا يمتلك ثقلًا تاريخيًا ومؤسساتيًا في الإقليم، ينظر بحذر إلى تمدد تقدم ومحاولته لعب دور عابر للجغرافيا السياسية، بينما يرى تقدم في مواقف الديمقراطي محاولة لوضع سقف سياسي يمنع تحوّله إلى لاعب وطني مؤثر داخل الإقليم وخارجه. سياسيًا، لا يمكن القول إن الخلاف يخدم الطرفين. فالديمقراطي يخاطر بتكريس صورة الحزب المنغلق الذي يستخدم أدوات التعطيل بدل التفاوض، في وقت يحتاج فيه إلى شراكات مرنة تحصّن موقعه في مرحلة إقليمية حساسة. أما تقدم، فرغم استفادته إعلاميًا من خطاب «المظلومية السياسية»، إلا أن استمراره في التصعيد قد يضعه في مواجهة مباشرة مع قوى تملك أوراقًا أثقل على الأرض.
أما الفيتو، فصحيح أنه أداة مشروعة في العمل السياسي، لكنه ليس دائمًا الخيار الأذكى. استخدامه في هذا التوقيت تحديدًا قد يكون صحيحًا إجرائيًا، لكنه سياسيًا يفتقر إلى الحكمة إذا لم يُدعَم بخارطة طريق بديلة أو تسوية موازية. الفيتو بلا أفق تفاوضي يتحول من أداة ضغط إلى عامل تأزيم.ويبقى السؤال الأهم: هل سيمرر حزب تقدم هذا الخلاف دون إثارة؟ المؤشرات لا توحي بذلك. فالحزب يدرك أن تجاوز الخلاف بصمت سيُفسَّر كضعف، في حين أن تصعيده المدروس قد يمنحه مكاسب تفاوضية لاحقة، سواء عبر إعادة ترتيب التحالفات أو نقل المعركة إلى ساحات سياسية وإعلامية أخرى.
الخلاصة أن هذا الخلاف، بصيغته الحالية، لا يصنع رابحين حقيقيين. هو نزاع يستهلك رصيد الطرفين، ويكشف هشاشة التفاهمات السياسية أكثر مما يعزز مواقعها. والفيتو، وإن كان قانونيًا، يبقى سياسيًا سلاحًا ذا حدين، قد يردع الخصم اليوم، لكنه يفتح جبهات أوسع غدًا.