الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
في ذكر (أم البطل)

بواسطة azzaman

أذن وعين

في ذكر (أم البطل)

عبد اللطيف السعدون

 

كنا جمعا عراقيا في زيارة للقاهرة منتصف سبعينيات القرن الماضي، قادنا شاعر الأغنية الراحل محمد حمزة الى مسرح تغني فيه الفنانة شريفة فاضل، وفي حينها تملكتنا اللهفة لسماع أغنيتها «أم البطل» التي كانت قد اشتهرت، وضاعفت من شهرة شريفة فاضل نفسها، عندما أطلت علينا وهي تتهادى ببطء على خشبة المسرح كان وجهها يحمل مسحة حزن دفين حاولت أن تخفيه بابتسامة خفيفة، وهي تحيي الحضور وسط ارتفاع النغمات المنبعثة من الفرقة الموسيقة التي تحيط بها، وبعد ان غنت أكثر من أغنية انعطفت لتدندن بلحن أغنية «أم البطل»، وما أن شرعت في الغناء حتى اقترنت مسحة الحزن الدفين التي حملها وجهها بدموع لم تستطع أن تكففها، وان مسحتها بمنديلها أكثر من مرة، وسرت موجة الحزن لمن كان حاضرا في القاعة، وارهفنا السمع:

نور عيني

«ابني حبيبي، يا نور عيني، كل الحبايب بتهنيني، طبعا البطل هو أبنها سيد ابن السيد بدير الطيار الذي استشهد في «حرب الاستنزاف» التي أفضت الى نصر أكتوبر، كان ذلك الزمن زمن الحلم ببطولة تعطي للوطن بعض ما يستحقه، وتبشر بعصر آخر يعيد فيه العربي ما أخذ منه قسرا، في حينه كانت فلسطين ما تزال قضية أولى، قضية مركزية، وباقي قضايانا كانت أطرافا، في حينه أيضا رضينا أن نتنازل عن الكثير مما نريد وما نطمح اليه، وأن نلتزم الصمت لأن لا صوت ينبغي ان يعلو على صوت المعركة، وصوت قعقعة السلاح الذي يرغم عدونا على الانكفاء، ويفتح الطريق أمامنا نحو أمجاد جديدة، كان ذاك عصر  سيد ابن السيد بدير الذي نذكر له اليوم بطولته، ونذكر له حلمه، لكننا لم نخجل، في غيابه، من أن نسعى للتطبيع والصلح مع عدونا الذي قتل «سيد»، وقتل الآلاف من أبنائنا، وأن نترك قضيتنا المركزية وراءنا، وأن ننسى شاعرنا أمل دنقل الذي مات كمدا بعد أن كتب لنا وصيته: «لا تصالح ولو منحوك الذهب، (..)، لا تصالح على الدم، حتى بدم، ويقولون لك: نحن أبناء عم، وهم لم يراعوا العمومة فيمن هلك»، وهكذا تصالحنا رغم أنف «سيد»، ورغم أنف «أم البطل»، وخطونا على جثث «سيد» واخوته، وفي لحظة فارقة تحطم كل شيء، ورقدت «أم البطل» رقدتها الأخيرة في مثل هذه الأيام من ثلاث سنين مضت، وفي صدرها تنهيدة عريضة بعدما سرقوا نصر ابنها، وكتبوا وثائق استسلامهم، وهم صاغرون.

معارك كبرى

وها نحن نجتر ما قد سبق، ونسأل: هل انتهت استراتيجيات «المعارك الكبرى»، وصارت البطولة تاريخا سابقا، وتحول النصر الى ماض جميل لا نملك له سوى الحنين الفارغ من المعنى؟ هل فقدنا الجرأة لان نقول كلمة «لا» بعدما اختفت من قواميسنا لاءات الخرطوم الثلاثة «لا اعتراف، لا تفاوض، ولا صلح»، وبعدما أسقطتها عواصمنا من قواميسها، وشرعنت «التطبيع « غاية ووسيلة؟

لكن، ثمة لكن كبيرة، اذ لم تزل في الزمان بقية، ولو خدعونا بقليل من «الحق» ونحن نريـــد حقنا كلـــــه، وسيأتي اليــوم الذي «يعود الوجـــــــود فيه لدورتـه الدائــــــــرة، النجوم لميقاتها، والرمال لذراتها، والقتل لطفلته الناظرة، لا تصالح»، هذا هو منطق الحياة الذي لا يخطئ.


مشاهدات 64
الكاتب عبد اللطيف السعدون
أضيف 2026/03/07 - 2:21 AM
آخر تحديث 2026/03/07 - 5:19 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 258 الشهر 5689 الكلي 14959758
الوقت الآن
السبت 2026/3/7 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير