الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حين تتحول الرواية إلى شهادة ضمير


حين تتحول الرواية إلى شهادة ضمير

دعاء يوسف

 

ليست «خريف قصر شيرين» لفوزي الهنداوي رواية حرب بالمعنى التقليدي، ولا سردًا بطوليًا لجبهات القتال، بل هي نصّ إنساني عميق يُعيد تعريف الحرب من زاوية المهمَّشين، أولئك الذين لا يظهرون في بيانات الانتصار ولا في نشرات الأخبار، لكنهم يدفعون الثمن كاملًا.

الرواية تُبنى على طبقات زمنية ونفسية متداخلة، تبدأ من ذاكرة الإبادة الأرمنية، وتمرّ بحرب الثمانينات العراقية-الإيرانية، لتصل إلى سؤال وجودي أكبر:

هل يُكتب على بعض الشعوب أن تُهجَّر مرتين، وأن تُعاقَب حتى على تمسّكها بالبيت؟

في شخصية ماسيس الأرمني، لا نقرأ فردًا فقط، بل تاريخًا كاملًا من الاقتلاع القسري، وفي لوسين تتجسد الأنثى/الوطن/الذاكرة التي ترفض الرحيل رغم الخراب. أما نهر الوند، فلا يؤدي دور الخلفية الجغرافية، بل يتحول إلى شاهد حي، كائن أخلاقي صامت، يعبر الحدود بلا جوازات، فيما يُمنع البشر من عبور ذاكرتهم.

الهنداوي ينجح في تحويل الضابط العراقي من أداة حرب إلى كائن مأزوم أخلاقيًا، ممزق بين الأوامر العسكرية وصوته الداخلي، وهو ما يمنح الرواية شجاعة نادرة؛ إذ لا تبرّئ الذات الوطنية ولا تُدين الآخر فقط، بل تضع الجميع أمام مرآة واحدة: مرآة السلطة حين تفقد إنسانيتها.

اللغة في «خريف قصر شيرين» هادئة، مشبعة بالشجن، خالية من الخطابة الفارغة، وتعتمد على السرد المتدرج لا الصدمة المباشرة. وهذا ما يمنح النص ثقله؛ فالألم لا يُصرَخ به، بل يُترك ليتسرّب ببطء، مثل مياه النهر.

أما مشهد هدم المدينة، فهو ذروة أخلاقية لا سردية فقط. هنا تتحول الرواية إلى وثيقة إدانة للتدمير المجاني، حيث لا يعود الخراب نتيجة معركة، بل قرارًا إداريًا باردًا. وفي هذه اللحظة تحديدًا، تنتصر الرواية بوصفها ذاكرة مضادة، تحاول إنقاذ ما تبقى: بيت، جامع، إنسان.

«خريف قصر شيرين» ليست رواية عن الماضي فحسب، بل تحذير من الحاضر، وتذكير بأن الحروب لا تنتهي بانسحاب الجيوش، بل تبقى معلّقة في مصائر البشر الذين تُركوا خلفها.

إنها رواية تقول بهدوء مؤلم:

قد تنجو المدن من القصف، لكن لا أحد ينجو من فقدان العدالة.


مشاهدات 176
الكاتب دعاء يوسف
أضيف 2026/01/05 - 4:22 PM
آخر تحديث 2026/01/07 - 6:17 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 686 الشهر 4965 الكلي 13112388
الوقت الآن
الأربعاء 2026/1/7 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير