الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
مكي حسين .. حين يتعتّق الحزن بالجمال

بواسطة azzaman

مكي حسين .. حين يتعتّق الحزن بالجمال

عاشق كبير للحريّة ويمتلك خيالاً خصباً بلا حدود أو ضفاف

عبد الحسين شعبان

 

تبدو منحوتات مكّي حسين جديدة وطازجة وأسلوبه متجدّد دائمًا وموضوعاته متنوّعة باستمرار، حتى وإن مضى عليها زمن، وكلّ ذلك يفتح آفاقًا جديدةً للحداثة، بل يمثّل رافدًا عذبًا من روافدها يستطيع أن ينهل منه مَنْ يريد.

لم يأخذ مكّي حسين فرصته كموهوب كبير، فقد ابتلعته الغربة لسنوات طويلة عجفاء حتى كاد أن يُنسى، وقبل ذلك عاش في الجبل وانشغل بالأعمال الإدارية لحركة الأنصار الشيوعية لنحو أربع سنوات، وبعد مجزرة بشتاشان الدموية في العام 1983 واستشهاد العديد من رفاقه وأصدقائه اضطرّ إلى الرحيل إلى الشام، وقضى فيها نحو ثمان سنوات، حيث استغرقته الأعمال الصحفية مثل تصميم المجلّات وأغلفة الكتب، ولاسيّما للمقاومة الفلسطينية.

وفي العام 1986 صمّم غلاف كتابي « الجواهري في العيون من أشعاره»، دار طلاس، دمشق، وكان قد التقط عدّة صور تاريخية للجواهري في منزله بالروضة، حيث اصطحبته أكثر من مرّة لهذه المهمّة، وظلّ الجواهري يسألني عنه باستمرار، كيف هو حال صديقك الفنان؟

ولم أنس أن أدعوه لتصميم غلاف كتابي الجديد الموسوم «جواهر الجواهري»، دار سعاد الصباح، الكويت، 2024، اعتزازًا بتصميمه الأول وبالصداقة والمحبة والرفقة التي جمعتنا في الإعلام المركزي في نوكان – ناوزنك، ثم في بشتاشان، حيث نجونا من المجزرة الشهيرة، وبعدها في الشام، وقبل ذلك تعارفنا في بغداد في النصف الثاني من ستينيات القرن المنصرم بواسطة الصديق الفنان اتحاد كريم.

□ □ □

لم يتمكّن مكّي حسين من استعادة وضعه الطبيعي كفنان موهوب والانصراف إلى هواياته الحقيقية، سوى في النصف الثاني من التسعينيات، يوم لجأ إلى ألمانيا، وبعد أن استقرّت حياته في بلدة كوتنغن بدأ وفي محترفه الخاص، بإنجاز كمّ هائل من المنحوتات.

لقد حمل مكّي حسين الشعلة المقدّسة كما يُقال حتى كاد أن يحترق بأوارها، وظلّ على كبريائه عصيًّا على الترويض أو التطويع أو التهميش، بالرغم من الضغوطات العديدة التي مورست عليه في الوطن وخارجه، وتمكّن من تجاوز الكثير من الصعاب ومواجهة العديد من التحديّات بشجاعة وحكمة وبُعد نظر وبما امتلكه من قدرات إقناعية.

كان كلّما أرسل لي صورة جديدة لمنحوتاته أو بروشورًا أو مطبوعًا (وآخرها مطبوعًا مع الفنان يوسف الناصر)، أبدأ بالنظر إليه من زوايا مختلفة، ثم أستعيد مع نفسي تعليقات مكّي حسين وسخريته الحزينة وإضافات أحمد الناصري (أمين) وحين يبدو الصمت كلامًا، فإنه يتجسّد في أعمال حقيقية، حتى لدرجة كدت فيها أن أسمع أصوات تلك المنحوتات. نعم فقد كان لمنحوتاته ورسوماته وحتى أغلفته الفنية، أصواتًا وموسيقى، أكاد أعرفها من نبرتها، بل أحسّ فيها وأستطيع أن أحزر صاحبها صديقي مكّي «أبو بسيم».

وكلّما تمعنّت في تلك المخلوقات المدهشة تزداد دهشتي على قدرته في خلق تلك الحيوات المتنوّعة الزاخرة بالحركة، وهي حركية داخلية ناطقة بالجدل والسؤال.

لقد ذهب مكّي حسين بالنحت إلى فضاء جديد واكتشف من خلاله العالم، والأكثر من ذلك اكتشف نفسه كذلك وقدراته الحقيقية وموهبته في خلق الجمال المفعم بالإنسانية الطافحة التي يمتلكها في مواجهة القبح والظلم، وذلك عبر رفضه كمثقف يعرف وظيفته حق المعرفة، خصوصًا حين تمرّد على النمطية والرتابة ونظام الطاعة العبودي وتبريرات الهزيمة والزيف والنفاق.

كان مكّي موضوعيًا في تقيماته، عادلًا في حكمه، مستقيمًا في سلوكه، وفي كلّ ذلك لم يكن مثاليًا بقدر ما كان واقعيًا كمثقف نقدي عقلاني، بعيدًا عن التبشيرية الساذجة والخلاصية المنتظرة المغمّسة بالحتميات.

□ □ □

أستطيع القول دون افتئات على نقاد الفن، ولاسيّما النحت أن مكّي حسين لم يكن محترفًا، بقدر ما كان هاويًا، على الرغم من أن الفن بشكل عام، والفن التشكيلي والنحت بشكل خاص يحتاج إلى احتراف، بمعنى الدراسة والدربة والمران والتجريب والسعي والمحاولة، وفي كلّ ذلك، ومثل جميع أنواع الفنون والآداب والثقافة والإبداع، يحتاج إلى موهبة حقيقية، وكان مكي حسين موهوبًا بامتياز ويمتلك خيالًا خصبًا بلا حدود وبلا ضفاف، ولأنه فنان كبير فهو عاشق كبير للحريّة التي تمثّل جوهر فلسفة حياته.

خلال دراسته في معهد الفنون الجميلة نال مكّي حسين إعجاب أساتذته الكبار مثل خالد الرحال ومحمد غني حكمت وإسماعيل فتاح الترك، وقد ساهم مع الأخير في إنجاز نصب الشاعر معروف الرصافي في بغداد، وعمل مع صديقه الفنان نداء كاظم على إنجاز تمثال شاعر الحداثة الشعرية الأول بدر شاكر السياب في البصرة.

□ □ □

يستحقّ منّا مكّي حسين أن نعتني بتراثه، وأن نجمع أعماله كمبدع كبير ورمز كبير، فقد فُجعنـــــا حين سـمعنا برحيله المفاجئ وحيدًا ومكسورًا في بلدة صغيرة تكاد تكون نائية في ألمانيا، واكتشفت البلدية موته بعد أربعة أيام حين توفاه الله، فقامت بفتح باب شقته لتجده مرميًّا على الأرض. وظلّ في ثلاجة إحدى المستشفيات ينتظر استكمال التحقيقات الجنائية والانتهاء من أعياد الميلاد ليتمّ تشييعه إلى مثواه الأخير. وتقول بطاقته التعريفية الشخصية أنه ولد في البصرة العام 1947 وتخرّج من معهد الفنون الجميلة في العـــــــــام 1968، وانتخب عضوًا في جمعية التشكيليين العراقيين العام 1971، وكان عضوًا في رابطة الكتاب والصحفيين والفنانين الديمقراطيين العراقيين في كردستان والشام. من أعماله الأخيرة تمثال «صرخة بشتاشان – من أعماق الجبال»

 

 


مشاهدات 146
الكاتب عبد الحسين شعبان
أضيف 2026/01/04 - 12:06 PM
آخر تحديث 2026/01/07 - 10:23 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 395 الشهر 4674 الكلي 13112097
الوقت الآن
الأربعاء 2026/1/7 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير