الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
كيف يختنق العراق بالسيولة وهو على بحرٍ من النفط؟

بواسطة azzaman

كيف يختنق العراق بالسيولة وهو على بحرٍ من النفط؟

مجاشع التميمي

 

في ظل تأخر الرواتب وتصاعد القلق بين الموظفين والمتقاعدين، يتساءل كثيرون بدهشة: كيف يعجز العراق، ثاني أكبر منتج في منظمة أوبك، عن دفع رواتب موظفيه؟ كيف يمكن لبلدٍ غنيٍّ مثل العراق أن يقف على حافة أزمة سيولة وهو يطفو على بحر من النفط؟

الحقيقة أن الصورة المالية في العراق أعقد بكثير مما تبدو عليه… وأخطر مما يظنه أغلب الناس.

نفط كثير… وسيولة قليلة

يحقق العراق شهرياً نحو سبعة مليارات دولار من مبيعات النفط بواقع 3.250 مليون برميل يومياً، لكن مليار دولار من هذا المبلغ يذهب مباشرة إلى الشركات الأجنبية المشغّلة ولا يدخل خزينة الدولة.

المتبقي—نحو ستة مليارات دولار—يتحوّل بعد التسوية إلى ثمانية تريليونات دينار فقط، وهي بالكاد تغطي الرواتب والمتقاعدين والرعاية الاجتماعية.

بمعنى آخر: الثروة التي يتصورها المواطن تبخرّها الالتزامات قبل أن تلامس ملفّ الخدمات والمشاريع. وهذه أمثلة توضح كيف تُستنزف الموازنة بعيداً عن الرواتب:

الكهرباء… الثقب الأسود للموازنة

ملف الكهرباء وحده يختزل حجم الكارثة.

العراق يستورد الغاز والكهرباء من الخارج، فيما غياب الجباية المنتظمة يحوّل القطاع إلى عبء يمتص مليارات الدولارات سنوياً.

ورغم الإنفاق الهائل، ما تزال الخدمة غير مستقرة، والخسائر تتوسع، والفساد يبتلع معظم التخصيصات.

المياه… كلفة صامتة لا يراها أحد

معالجة المياه، تحليتها، تشغيل محطاتها… كلها تكلف الدولة مليارات سنوياً من دون جباية حقيقية تعوّض جزءاً من هذه المصاريف. أعباء تتراكم بصمت بلا حلول.

ثاني أكبر مصدّر للنفط… لكنه يستورد المشتقات!

ينفق العراق سنوياً مبالغ ضخمة لاستيراد المشتقات النفطية من دول عدة مثل إيران والكويت، لأن مصافيه متهالكة ولا تلبّي حاجة السوق.

وزارة النفط تمنح المصافي نحو مليون برميل يومياً بسعر 7000 دينار للبرميل، لكن عوائد بيع المشتقات لا تعود فعلياً إلى الخزينة… لتتعمق الفجوة المالية أكثر.

السلة الغذائية… واجب إنساني بكلفة ثقيلة

تقدّم الدولة السلة الغذائية لملايين العراقيين ضمن برامج الأمن الغذائي، وهو التزام اجتماعي لا يمكن التخلي عنه، لكنه يكلف نحو مليار دولار سنوياً تضاف إلى سلسلة الأعباء الثقيلة.

ليست وظيفة الحكومة توزيع الرواتب فقط

الحكومة مطالَبة بتوفير الخدمات، بناء البنى التحتية، دعم المشاريع والإعمار.

ولأن الإيرادات غير كافية، اضطرت الدولة خلال ثلاث سنوات فقط إلى الاقتراض الداخلي بنحو 35 تريليون دينار.

المنافذ الحدودية… موارد لا تصل إلى الدولة

الإيرادات غير النفطية شبه غائبة، ليس بسبب عدم وجودها، بل لأنها تُستنزف خارج سيطرة الدولة.

فالمنافذ الحدودية—سواء في الإقليم أو في محافظات الوسط والجنوب—لا تخضع لرقابة حكومية كاملة.

القوى المسيطرة هناك تمتلك نفوذاً وسلاحاً يجعل فرض سيطرة الدولة تحدياً قد يزعزع التوازن السياسي.

إيرادات تضيع بين النفوذ والمال والسلاح

عوائد المشتقات النفطية، الملاحة الجوية، الغرامات، الضرائب، ورسوم شركات الاتصالات…

معظمها لا يصل إلى الموازنة الاتحادية بالشكل المفترض، بل يدور في مسارات مالية موازية تحرم الدولة من موارد كانت كفيلة بتغيير شكل الاقتصاد لو دخلت الخزينة فعلاً.

خطوات مقبلة… قد تكون مؤلمة

تشير التوقعات إلى أن الحكومة المقبلة قد تتجه إلى:

            •           خفض قيمة الدينار للسيطرة على التضخم وزيادة الإيرادات الاسمية.

            •           بيع بعض الأصول الحكومية لتقليل العجز.

            •           فرض الدفع الإلكتروني والحد من السحب النقدي للرواتب تخفيفاً للضغط على السيولة.

غياب الدورة المالية… أزمة بلا سقف

ضخّت الدولة خلال السنوات الماضية أكثر من 100 تريليون دينار في السوق، لكنها لم تعد إلى الخزينة بسبب غياب الجباية، والتهرب الضريبي، وانخفاض الثقة بالقطاع المصرفي.

لذلك تبدو الأزمة أعمق بكثير مما يلمسه المواطن في حياته اليومية.

الخلاصة… الحقيقة المُرّة

العراق يقف أمام واحد من أخطر مفترقاته الاقتصادية:

            •           رواتب مستمرة مقابل خدمات غائبة، أو

            •           خدمات أفضل مقابل رواتب مهددة وتذبذب مالي مستمر.

الأزمة ليست أزمة نفط…

بل أزمة إدارة، وهيمنة نفوذ، وموارد لا تصل، واقتصاد بلا دورة مالية حقيقية.

هذا هو الواقع… بلا تزييف… وبلا تجميل


مشاهدات 56
الكاتب مجاشع التميمي
أضيف 2025/11/29 - 4:24 PM
آخر تحديث 2025/11/29 - 11:17 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 773 الشهر 21619 الكلي 12783122
الوقت الآن
السبت 2025/11/29 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير