الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
قراءة في كتاب العراق في حقبة التسعينيات.. تحولات كبيرة ومخاضات عسيرة مهدت للتغيير


قراءة في كتاب العراق في حقبة التسعينيات.. تحولات كبيرة ومخاضات عسيرة مهدت للتغيير

عادل الجبوري

 

    يقول الدكتور اكرم الحكيم، مؤلف كتاب (العراق في حقبة التسعينيات) في مقدمته له، "كل الحقب الزمنية التي مرت على بلادنا مهمة ضمن سياقاتها الزمنية وطبيعة الاحداث التي وقعت فيها، والاجواء الإقليمية والدولية التي القت بظلالها عليها، والنتائج التي أدت اليها، لكن دفعتني ملفات او نقاط عديدة لاختيار حقبة التسعينيات محورا للكتاب الذي بين ايديكم، لان محصلة تأثيرات تلك النقاط او الملفات جعلت من عقد تسعينيات القرن الماضي مرحلة متميزة في تأريخ العراق المعاصر لعمق التأثير الذي تركته في مستقبل العراق وسعته على المدى المتوسط والبعيد".

   بالفعل، وكما أوضح المؤلف، كانت تسعينيات القرن الماضي، قد شهدت احداثا ووقائع تأيخية مهمة، مثلت بمجملها نقاط تحول وانعطافات مهمة، وهيأت الارضيات والمناخات الملائمة لاحداث التغيير الشامل في النظام السياسي الحاكم في العراق، ربيع عام 2003، ومن بين تلك الوقائع والاحداث، غزو دولة الكويت في صيف عام 1990، ومن ثم تحريرها مطلع عام 1991، لتندلع بعد ذلك اكبر انتفاضة شعبية مرت بتأريخ العراق الحديث والمعاصر، والتي شملت اربع عشرة محافظة، وكادت ان تطيح بنظام صدام، لولا الارادات الدولية والإقليمية، التي قدرت ضرورة بقائه ضعيفا ومحاصرا ومعزولا بدلا من اسقاطه والذهاب الى المجهول!.   

   ولم تنته التفاعلات عند هذا الحد، بل ان عزلة النظام، ساهمت او ساعدت بشكل او باخر في انفتاح المعارضة العراقية بمختلف عناوينها ومسمياتها وتوجهاتها وانتماءاتها، على المحيط الإقليمي والفضاء الدولي بصورة غير مسبوقة، واكثر من ذلك، اصبح جزءا كبيرا من نشاطها السياسي والإعلامي والعسكري، يجري فوق ارض عراقية، الا وهي "إقليم كردستان"، الذي بات يتمتع بحماية دولية (منطقة امنة فوق خط العرض 36) وفقا لقرارات صادرة عن مجلس الامن الدولي.

  ويستعرض المؤلف بكتابه المكون من ثمانية فصول، خصص الفصل الاخير منها للوثائق والمصادر المكتوبة والمصورة، الكثير من الاحداث بتفاصيلها وجزئياتها الدقيقة التي تتيح للقاريء العادي، فضلا عن الباحث المختص، بلورة تصورات وانطباعات وقناعات صائبة عن طبيعة مجريات الأمور، من خلال ربطها بالمقدمات التي سبقتها، والنتائج التي افضت اليها.

   ويتناول الفصل الأول من الكتاب، مجمل التحركات الأميركية على مختلف المستويات والاصعدة السياسية والدبلوماسية حيال نظام صدام، سواء تحت مظلة الأمم المتحدة ومجلس الامن الدولي، او عبر التواصل والتنسيق والتعاون مع اطراف دولية وإقليمية، وكذلك مع قوى المعارضة العراقية.

   اما الفصل الثاني، فقد خصصه المؤلف للحديث عن الحراك الشعبي ضد النظام الحاكم، والعوامل المحركة والمعوقة له، واستهداف السلطة الحاكمة للرموز الدينية المؤثرة في حركة الشعب العراقي، كالشهيد السيد محمد محمد صادق الصدر، الذي جرت تصفيته جسديا مع نجليه في شباط-فبراير من عام 1999.

   بينما افرد الفصل الثالث لاستعراض الظروف والاوضاع الداخلية للنظام الحاكم، والتداعيات التي خلفها غزو الكويت، وحرب تحريرها، والانتفاضة الشعبية، من قبيل هروب صهر صدام وشقيقه، حسين كامل وصدام كامل، مع افراد عائلتهما الى الأردن في عام 1995، ومن ثم عودتهما بعد اقل من عام، وقتلهما بطريقة وحشية على يد عدي صدام وعلي حسن المجيد، ومن ثم الخلافات الحادة بين صدام واخوانه غير الاشقاء، برزان ووطبان، وتفاعلاتها وانعكاساتها على تماسك الكيان العائلي والعشائري القابض على زمام الحكم بالحديد والنار.

  فيما خصصت الفصول الأخرى-الرابع والخامس والسادس-للحديث عن حراك مختلف قوى المعارضة العراقية على مختلف الساحات الإقليمية والدولية، فيما يتعلق بعقد المؤتمرات، والندوات والملتقيات، والاجتماعات، والجولات السياسية الميدانية، والحلقات النقاشية في دول المهجر، كالجمهورية الإسلامية الإيرانية، والجمهورية العربية السورية، ولبنان، وبريطانيا، والولايات المتحدة الأميركية، وفرنسا، والنمسا، وسويسرا وغيرها، فضلا عن إقليم كردستان

   ويخصص المؤلف الفصل السابع، لاستعراض مجمل ما كتبه هو بنفسه من تقارير ودراسات ومقالات حول مختلف الملفات العراقية، بأبعادها المحلية والإقليمية والدولية، وهي تتضمن الكثير من الرؤى والتحليلات والتصورات والمقترحات التي تعكس وجهات نظر المؤلف من جانب، وواقعيات الأمور من جانب  اخر.

   ومثلما اشرنا انفا، اشتمل الفصل الثامن-الأخير، على حصيلة كبيرة من الوثائق التي اضفت أهمية بالغة على الكتاب، وأعطته قيمة تأريخية توثيقية، لمفصل زمني حساس من تأريخ البلاد.

  ومن المهم هنا التوقف عند جملة ملاحظات واشارات جديرة بالاهتمام.

 *الأولى: ان هناك ضعفا في عملية توثيق الاحداث والوقائع السياسية العراقية، بصورة موضوعية ومهنية بعيدا عن النزعات والعقد القومية والطائفية والمذهبية الضيقة، خصوصا ما يتعلق بمرحلة الصراع بين نظام حزب البعث بعد استحواذ صدام حسين على مقاليد الحكم في منتصف عام 1979، عبر انقلاب ابيض على احمد حسن البكر، كانت أول خطواته تصفية عدد من كبار قيادات وكوادر الحزب، وبين المعارضة العراقية بشتى توجهاتها وانتماءاتها، وربما يكون كتاب (العراق في حقبة التسعينيات)، بداية جيدة ومشجعة نحو المزيد من الكتابات التوثيقية الدقيقة والموضوعية والمنصفة، التي تغوص في عمق الحقائق، وتحاول اسكتشاف كل جوانبها وابعادها الخفية. وكما اوضح المؤلف بقوله، "كنت ولا أزال احاول المحافظة على ثلاث خصائص في المادة التي اكتبها وانشرها، الأولى، توفير اكثر ما يمكن من المعلومات للقاريء الكريم، والثانية التخلص عند جمعي وتحليلي للمعلومات من تأثير العصبيات الحزبية والقومية والأيديولوجية.. والخصيصة الأخيرة، هي الواقعية".

 

*الثانية: ان ما اضفى -او يضفي-أهمية اكبر على الكتاب موضع البحث، هو ان مؤلفه كان في صلب الاحداث، بل كان مساهما فيها، ومراقبا لها عن كثب، بإعتباره احد كوادر الحركة الإسلامية في داخل العراق خلال سبعينيات القرن الماضي، ومن ثم احد مؤسسي المجلس الأعلى الإسلامي العراقي في المهجر، وكوادره القيادية الفاعلة لعقدين من الزمن، فضلا عن قربه من مختلف القوى والشخصيات السياسية العراقية في المهاجر المختلفة، في أوروبا وسوريا وايران ولبنان.

*الثالثة: قد لاتكتمل وتتضح صورة المشهد التأريخي العام بالقدر الكافي، من دون توثيق موضوعي اكاديمي لحقبة الثمانينيات، التي يبدو ان الكاتب متجه للخوض فيها على غرار ما فعل مع حقبة التسعينيات، لان الثمانينيات، شهدت هي الأخرى احداثا ووقائع مهمة ومفصلية، تممت ما قبلها، ومهدت لما بعدها، من قبيل تصفية اعدادا كبيرة من علماء ومراجع الدين من قبل نظام صدام، وتداعيات الحرب العراقية-الإيرانية، وتشكيل العديد من القوى السياسية والعسكرية المعارضة، سواء في المهجر، او داخل العراق، في جنوبه وشماله، وبروز ملامح ومعالم تصدع الكيان العربي، حينما راحت تتبين بعض نوايا نظام صدام تجاه الكويت، بعد ان وضعت حربه مع ايران اوزارها في صيف عام 1988.

 


مشاهدات 43
الكاتب عادل الجبوري
أضيف 2025/11/29 - 3:37 AM
آخر تحديث 2025/11/29 - 5:54 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 186 الشهر 21032 الكلي 12682535
الوقت الآن
السبت 2025/11/29 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير