الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
في 9 نيسان 2003 خسر العراق لوحات جميلات

بواسطة azzaman

في 9 نيسان 2003 خسر العراق لوحات جميلات

لويس إقليمس

 

لو أدرك العقلاء ما كان سيصيب العراق من ويلاتٍ وتحديات وخسائر في كلّ مجالات الحياة، وما كان سيشهدهُ لسنواتٍ عديدات من تخلّفٍ وتراجعٍ في التعليم والتربية والزراعة والصناعة والاقتصاد والخدمات، سواءً بسواء كما في القيم الأساسية العليا وفي الأخلاق والسلوكيات اليومية وانتشار العديد من المظاهر الوثنية والسلبية وأشكال الفساد في مجتمعاته التي انزلقت فيها أجيالٌ إلى الحضيض، لما تمنوا التخلّص من النظام السابق بتلك الطريقة الفظّة باللجوء لتلك الهجمة الدولية الهمجية التي أثبتت الأيام كذب الادّعاءات السببية للأسياد. هذا، بالرغم من كلّ الملاحظات السلبية المحسوبة على النظام السابق وعلى بعض قيادته بسبب النزعة العائلية والعشائرية المقيتة التي آلى إليها في أواخر السنين.

لوحات جميلات

بسقوط النظام المؤسساتي في العراق في 9 نيسان 2003، يكون العراق قد خسر معه أيضًا لوحاتٍ جميلاتٍ، وطنية واجتماعية وعلمية من تلك التي اتسمت وأبدعت في البناء والإعمار والابتكار والإيثار والتعايش. كان الوطن لقرونٍ وسنين قديمات شاهداتٍ أشبهَ بلوحة فسيفسائية رائعة الجمال، تستظلُّ أجيالُه بأفياء أشجاره الوارفة في كلّ موضوعةٍ وأية مسألةٍ تحتاج لبرهانٍ ولإثبات صلة المواطن بالوطن قبل أن ينخره فساد المحاصصة وأرباب المحتوى الهابط الذي ساد وترعرع وتجذّر ولم يعد من السهل تحديده وتحييدُه والقضاء عليه. كنتَ تنبهرُ بقامات من الرجال وهاماتٍ من النساء، باسقاتٍ آمناتٍ مخيَّراتٍ وغير مسيَّراتٍ في عيش نُبل القيم واقتداء أفضل السلوكيات في الحياة والعمل والمنزل، في الشارع والمصنع والسفر. أتحدثُ هنا أكثر عن رجالٍ ونساءٍ من الزمن الجميل ما قبل النظام البائد وحتى في سنوات عزّ هذا الأخير وجبروته وصيرورته، أفرادٍ غير محسوبين على عائلة النظام وأزلامه ممّن اتسموا بأفضل القيم واتخذوا السير في أنبل السلوك الذي يرتضي به رب العالمين وبهم يحذوا نظراؤُهم في الوطن والإنسانية. أتذكرُأفرادًا آمنوا بالوطن ملاذًا، وبالحضارة شاهدًا، وبالأخلاق مرتعًا وبالعلم والمعرفة دالّةً وهدايةً في المساهمة بكلّ حرصٍ وغيرة وضمير في بناء الوطن وإنعاشه وتطوره عبر سنواتٍ من الجهاد الفردي والجماعي كي تخرج منه أجيالٌ قوية في العلوم والمبادئ والأخلاق والسلوك الصحيح. كانت حقًا أجيالًا ناضجة في حبّ الوطن والإنسان، منفتحة في تغيير الصورة النمطية السلبية المجتمعية لترتقي إلى مصاف البلدان والشعوب المتطورة في الفكر والثقافة والعلم والسلوك وكذا في الإيمان ورصانة أدواته.

أتحدث هنا حصرًا عن أجيالٍ وأفرادٍ ومواطنين لم تتسخ اياديهم بأفعال الفساد والقتل والسرقة والسطو والنهب والفرهود والتسفيه والتضليل والخديعة في الإعلام والدعاية ومختلف وسائل التواصل الاجتماعي التي اتسعت وانشطرت وتفاقمت أغراضُها وأهدافُها وأدواتُها في نشر الفاحشة والسلوكيات غير السوية في صالات الليل والغرف الحمراء المظلمة وأروقة الفنادق الفخمة وفي الفلل والشقق الفارهة التي اقتُنيت بطرق غير سوية وكثرت وتناثرت وانتصبت شواهدُها ممّا لا طاقة للمواطن البسيط أن يصلَ حتى إلى أسوارها المحصنة، لكونها مرهونة ومحصّنةً أمنيًا وسياسيًا وخاضعة لمساومات وأعمال ابتزاز واتفاقات في أغلبها خارج حدود الأخلاقيات المتعارف عليها. أتحدثُ هنا عن مواطنين بسطاء أحباب الله ومريدي الخير العميم للجميع ومتمنّي السلام والأمان وراحة البال ممّن يسألون عن الجار قبل الدار. أتحدث عن أجيالٍ وبشرٍ وجماعات لم يتورّط  فيها أفرادٌ من بين ظهرانيهم بأيّ جرمٍ أو خرقٍ وطني أو اجتماعيّ وبكلّ ما ادّعى الأدعياءُ وزعامات السلطة الجديدة ما بعد السقوط للتخلّص من أية بقايا لصور وآثار نظام الطغيان والدكتاتور، بالرغم من إدراكهم خطورة خسارة الأسس التي بُني عليها الوطن، الذي كان وينبغي أن يبقى مُلكًا للجميع وليس لأتباع دينٍ واحد أو مذهبٍ واحد أو قومية واحدة أو حزبٍ واحد. فالوطن للجميع، شاء الأحبار والأشرار والكفار أم أبوا الفكرة والمبدأ. «جئنا لنبقى»، مقولةٌ لم تعد مقبولة بل هي مرفوضة في الأساس، لكونها لا تنفع أيَّ مجتمع أو شعبٍ باحثٍ عن الأمان والحرية والديمقراطية الصحيحة. «لو دامتْ لغيرك، لما آلتْ إليك». هذا سرّ الحياة وواقع البشر. لا ديمومة لحيّ ضعيفٍ يطلب الخلود بجبروته وقسوته وأنانيته وفضاضته. فلا خالدَ إلاّ ربُ الخليقة وحده، ومَن طلب الخلود في الزعامة والسلطة فهو واهمٌ. فالتجربة أثبتت صحة هذا الواقع، ولا بدّ أن يأتي اليوم الذي تسقط فيه الأصنام تباعًا. كما لا قداسة لغير الله والوطن، وكلّ ما سواهما باطلٌ وزائلٌ ومرفوض لكونه من صنع البشر الضعفاء ومن خيالاته البشرية الهزيلة غير الصادقة.

السقوط الآخربعد السقوط الدراماتيكي السياسي لبغداد في 9 نيسان 2003، توالت المحن وكثرت المصاعب وتتالت التحديات وكثرت الأخطاء وتنوعت مصادر الفساد من اشتداد أدوات العنف والقتل والتهديد والاغتصاب والتهجير والسرقة والهدر بالمال العام وتحليل المحرَّم وتحريم المحلَّل بدون وازع ولا ضمير. كما تنوعت وسائل تدمير المؤسسات الثقافية وإذلال الفكر المتنور وقتل أرباب العلم والحرفة بتعدّد أساليب النشر والدعاية التي نزلت إلى دركات الانحطاط في السلوك والتداول والتعامل عبر وسائل التهديد والمساومة ومنها أشكال الابتزاز الالكتروني الحديثة التي أخذت مساحات شاسعة في السلوك اليومي في بلدٍ تشهد له الدنيا كلُّها بعراقة الثقافة وتأريخية الحضارة وأصالة الأرض وتجذّر أبنائها بالأرض وحبهم وانتمائهم العريق. ناهيك عن إنهاء دور الجيش العقائدي المفترَض بقاؤُه سورًا للبلاد وحصنًا للدفاع عن أمنه وسلامه وأرضه وسمائه ومياهه وفرض هيبته وسيادته ضدَّ كلّ أشكال التدخل في شؤونه وأشكال الخرق بحقّ وجوده وتاريخه وحضارته وثقافته. ومن بعد استغلاله واهتزازه وإضعافه بمؤسساتٍ جديدة موازية مؤدلجة لجهة معروفة، لم يعد في الوطن ما يضمن سلامة أسواره وأمان أبنائه وعزّة أمجاده.  كلّ هذا، أو معظم هذه المفردات تكاد قد تلاشت من قواميس العراق الحضارية حينما دأبت اشكال السلوكيات غير السوية تطغى على حياة جماعات وفئات محصورة في السلوك السلبي المستهجَن وطنيًا واجتماعيًا وأخلاقيًا. فقد صار الاحترام والتقدير والتبجيل عملة نادرة إزاء أصحاب العلم والفضيلة والفكر المستقلّ الحر المتشبّع بحب الوطن واحترام الجار وتقدير الآخر المختلف في الدين والمذهب والفكر والثقافة والإتنية، وانسحب كلّ هذا الحق لصالح فئات شاذة لفظها المجتمع جملةً وتفصيلاً بعد حينٍ إلاّ من أصحاب المصالح الفئوية والشخصية والمذهبية والحزبية الضيقة. ومنها ما طال أعرافًا اجتماعية وثقافية أصيلة، وجرى استبدالُها بأخرى هجينة دخيلة غريبة لا تتناسب مع ثقافة معظم مكوّنات البلاد المتعايشة تاريخيًا واجتماعيًا وعرفيًا، بحيث أصبح المجتمع العراقي بسببها ولأجلها مثارًا للانتقاد وتوجيه الاتهامات بسبب استشراء الفساد وأدواته ومفرداته في كلّ مفاصل الدولة، الحكومية منها والخاصة على السواء.

مستوى هابط

ومع مرور الأيام المرّة وتوالي السنين العجاف على عموم المجتمع العراقي وتحوّلِ الاحترام والتقدير لهذه الجهات السالبة والدخيلة واقتران شكل الاحترام والتقدير هذا بما تقوم به من حركات وسلوكيات وُصفتْ اجتماعيًا وأمنيًا بأصحاب المستوى الهابط، ما دفع الجهات الأمنية الوطنية المعنية لاتخاذ خطوات جادة أحيانًا وهزيلة في بعضها، بهدف السعي لوأدها ومحاربتها بما يتيسر لها من إمكانيات. وقد نجحت لغاية الساعة في الكثير منها وأخفقت في بعضها بسبب تدخلات الساسة والمتنفذين وأصحاب الباع الطويل في الدولة العميقة الحريصة بكل قواها ونفوذها وسلاحها ومالها لحماية هذه الأدوات السلبية والمنبوذة من المجتمع العراقي. ومن المؤسف أن تخضع عوامل  التقدير والاحترام لتقييم هذه الفئات الضارة والغريبة على مجتمعنا، بحيث طغت الكثير من السلوكيات المشبوهة على السطح وفقدَ المجتمع العراقي احترامه وتقديره بسبب تدنّي المستوى الثقافي والحضاري لمواطنيه في العموم. وهنا صحّ فيه قول عالم الاجتماع علي الوردي»أُنظرْ إلى الأشخاص الذين يقدّرهم المجتمع، تعرف الاتجاهَ الحضاري السائد في ذلك المجتمع و مصيره».ممّا يُؤسف له، مساهمة وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الدعائية الرخيصة في معظمها التي أصبحت في متناول الجميع في تسيّد هذه النماذج السلبية المشهدَ بقوّة بالرغم من التدابير المتخذة من جهات رقابية ودينية رصينة محدودة الموارد.

 ومن منظمات محترمة للحدّ منها والتبصير بخطورتها على السلم الأهلي والمجتمع ككلّ.

 كما لم تجدي وسائل اللجوء إلى الجهات القضائية التي أصبحت الشغل الشاغل لأصحاب هذا المحتوى في الآونة الأخيرة حيث نسمع ونشاهد ونقرأ ما يُكتب عن محاكم وقضاة تسايرُ بعضُها أصحابَ هذا المحتوى من حيث تدري أو لا تدري وتنحاز أحيانًا لصالح أربابها بسبب تأثيرات المتنفذين.

 

 على قراراتها لقرب هؤلاء أو صلاتهم بأربابها في نشر الغسيل أو اتخاذ وسيلة التسقيط في العرض والشرف والسياسة والوظيفة أداةً لتحقيق أغراضٍ غير شريفة من ابتزاز ومساومة وكسب غير مشروع، بحيث طال حتى المؤسسات التعليمية والتربوية والعسكرية والأمنية التي تُعدّ اساس احترام المجتمع وتقدمه وتطوره.

باختصار القول، قد تحول العراق من أساس الحضارة وبناء الثقافة إلى سخرية الأعمال الهابطة وإلى مجتمع سادت فيه ثقافة الفساد وتكاد أن تتجذّر إذا لم يوضع لها حدود فاصلة وإجراءات قاسية للحدّ من تفوّق الشرّ والفساد وأدواتهما. هذا بشهادة أصحاب النفوذ أحيانًا وبعض الساسة القلائل من رافضي مثل هذه السلوكيات السلبية والدخيلة. فما بالكُ في تصريحات وزير سابق للمالية وهو ينشر غسيل إثراء ساسة واقتصاديين وزعامات حزبية ومكاتب اقتصادية لهذه الأخيرة على حساب الوطن والشعب النائم الساذج المغفّل! ووفقًا لهذا التصريح، يستطيع المرء وأيّ عاقل أن يعرف مدى التأثير الذي تمارسه هذه الجماعات الفاسدة في التحكم بمقدرات البلاد والاغتناء بالثروات من دون وجه حقّ، إلاّ لكونها تملك المال والجاه والسلاح والنفوذ والسلطة بأدواتها ووسائلها وبتغطية وحماية مباشرة أو غير مباشرة أحيانًا من بعض أركان الدين والمذهب والقضاء المسيّس في العديد من جوانبه على السواء. حقًا، عندما سقط النظام السابق، فقد سقطت معه الأخلاق والكرامة والضمير والثقافة والغيرة، والأهم الوطنية التي خلت من قاموس زعامات السلطة مهما ادّعت اليوم بغير ذلك. فقد صحَّ وصفُ أحد زعامات السلطة بكونهم «مقاولين تفليش للوطن». وهذا من أوضح الأوصاف التي يستحقونها. لا نريد أن يتحول الفساد في الأخلاق وموت الضمير وسرقة الثروات الوطنية ومستقبل الأجيال وهدر المال العام وتحليل الحرام وما سواها من موبقات إلى ثقافة دائمة لا يخجل منها روّادُها وأصحابُها وأدواتُها. فقد طفح الكيل وأزفت ساعة التغيير وتمنى العراقيون الشرفاء الخلاصَ يومًا من براثن هذه الترّهات التي لا يمكن أن تدوم إلى الأبد.

يارب نجّنا من هذا البلاء وهذه الأمراض وهذا السرطان القاتل في أقرب ساعة وأقرب يوم!

 


مشاهدات 226
الكاتب لويس إقليمس
أضيف 2024/04/16 - 5:23 PM
آخر تحديث 2024/06/21 - 4:17 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 408 الشهر 8659 الكلي 9359196
الوقت الآن
الأحد 2024/6/23 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير