00964 790 110 7676     azzaman_iraq@yahoo.com
  الهايكو العربي وقضية التشكيل.. هايكو محمود الرجبي مثالاً    1 -2 

ألف ياء
أضيف بواسـطة admin
النـص :

الهايكو العربي وقضية التشكيل.. هايكو محمود الرجبي مثالاً    1 -2 

بشرى البستاني

يؤكد الشاعر الياباني بانيا ناتسويشي الذي ولد ونشأ في وطن الهايكو أن هايكو العالم الذي يدعو اليه إنما هو مفهوم إشكالي ما زال يبحث لنفسه عن أسس قوية يرتكز عليها ، وان هذا المشروع الهايكوي تعترضه إشكاليات نظرية وأسلوبية كثيرة ،فكيف بالهايكو العربي الذي لم تمض على حضوره في الثقافة العربية وإبداعها حقبٌ طويلة..ويواصل الاستاذ عبد القادر الجموسي في طرحه لمشروع بانيا الياباني في العمل على مواصلة التأسيس لهايكو العالم انه يبحث عن هذه الأسس في العمق الأنطولوجي للكائن في محاولة جادة للإمساك بالمشترك الانساني وتجاوز الفروق الثانوية بين المجتمعات البشرية ، مؤكدا أن في الحلم ظاهرة كونية ومشتركاً حضاريا وإنسانيا عبر الحقب الزمنية المتعاقبة ، مشتركا له القدرة على تزويد الإبداع والمخيلة بطاقات متجددة تؤهله ليكون الرمز المفتاحي لشعر فاعل يحقق في الهايكو أبرز أشكاله، شعر إنساني كوني يُكتب بمختلف لغات العالم.وإذا كان كلام بانيا عن الحلم ليس جديدا على الشعر والفنون ، فإنه يؤكد ما يحتاج للتأكيد دوما .

عمق تاريخي

 إن الشعر العربي بعمقه التاريخي الممتد لما قبل الاسلام بقرون قد تمكن من النبض بحلم الانسان ومشاعره المختلفة، وعبر عن مكابداته الوجودية وعن رؤاه ومواقفه من الحياة والاحداث والجمال ، أما من الناحية البنيوية فقد عرف الشعر العربي البيت الواحد اليتيم والنتفة وما قل عن سبعة ابيات فمصطلحه قطعة ، أما السبعة أبيات وما زاد فهو بناء القصيدة ، وداخل القصيدة العربية يوجد أبيات سارت أمثالا لاكتفائها بنيويا بالتعبير عن دلالات مفتوحة ، مما يدلُّ على أن الشعر العربي مهيأ للاشتغال على الإيجاز والتركيز اللذين يتطلبهما الهايكو ؛ ولذلك كانت نماذجه ناجحة منذ الريادة الاولى في النصف الثاني من القرن الماضي تنظيرا وتطبيقا ، فالتنظير بدأ بالترجمة والدراسات عن الهايكو الياباني وكان لجهد الشاعر محمد الاسعد ونماذجه المنشورة حضور مهم في تلك المرحلة ، كما كان لريادة الشاعر عذاب الركابي سبقٌ في نشر مجموعته الهايكوية، هذه المرحلة التي تحتاج لدراسة نتاجها وجهد روادها في التأسيس لفن الهايكو العربي.

 وصار للمرحلة الثانية التي نعاين نتاجها اليوم مبدعون جادون اهتموا بطرح قضاياه بنيويا ورؤيويا وما زالوا يواصلون طروحاتهم بالرغم من الإرباك الذي تعيشه الحياة العربية والثقافة والابداع جزء منها،فهو ردّ احتجاج على ذلك الصخب بهدوئه ودعوته إلى التأمل والحث على الصمت المتحضر الذي لا يمثل مظهرا سكونيا بل هو أحد فواعل الإنتاج الحضاري الحق. لقد فتح كتاب الهايكو العرب لهذا الفن ابوابا معاصرة على شبكات التواصل الاجتماعي ، وعلى المواقع الثقافية الالكترونية ، ولعل المبدع محمود الرجبي واحدٌ من الطلائع التي اهتمت بهذا الجانب التواصلي عبر أكثر من صفحة وتجمع على الفيس..

يمتاز هايكو الرجبي بسمات جريئة في التشكيل ، وبطرح مختلف الرؤى الشعرية لعدم انصياعه لخواص الهايكو الياباني موظفا كل الطاقات التشكيلية للغة العربية في تفجير العلاقة بين الدال والمدلول مع الاحتفاظ غالباً بالسمات التأسيسية للهايكو الأصلي، كالالتزام بالاسطر الثلاثة والمشهدية والمراوحة في التوجه للطبيعة توجها مباشرا وغير مباشر مرة وعدم الالتزام بهذا التوجه أخرى ، كما كتب في هايكو الحياة اليومية الذي ليس من الضروري أن يشير الى الفصول والطبيعة ،على أني لا أتفق مع القائلين بان لغة الهايكو تتصف بعفوية لا تحتاج لتدبر او تفكير كما يفعل الطفل الصغير، فلغة الهايكو الجيد لغة ذات بنية عميقة لا تُدرَك الا بالتدبر والتفكير،لأنها أكثر الأحيان لغة تشتغل على المستوى التأويلي ، وتنفتحُ على أبعاد دلالية ثرة ، وهي في إيجازها تضمر طاقة الايحاء التي تحتاج لجهد ذهني في البحث عن الدلالة. وبدءا من العنوان (وتذوبُ ثلوجُ العينين) يتوجب على المتلقي أن يبحث عن  المقصود بثلوج العينين ، ومتى تحتضن العينان ثلوجا ، وكيف قُدّر لها أن تذوب، فهل هي الدموع المؤجلة التي قد أوقفتها كبرياء الشاعر عن الجربان ، وما علاقة العنوان الرئيس بالعنوانات الداخلية التي تتصدر كل قصيدة هايكو ..؟

 إن العناية بالعنونة تعمل على تماسك النص ومنحه شخصيته الخاصة كونه رسالة للمتلقي تعينه على الكشف عما في النص من جزئيات وما تضمره من دلالة ، كما تعمل على إضاءة الشفرات التي  تمكنه من الوصول لأقصى ما تتيحه المعطيات الدلالية التي تختفي بين طيات النص بدءا من بنياته الصغرى وصولا إلى البنية الكبرى.

إن تأمل البنى التركيبية لعنوانات مجموعة هايكو (وتذوب ثلوج العينين) نجدها تعتمد على البنية الافرادية، ما عدا مضاف ومضاف اليه ورد مرة واحدة في عنوان (سوء فهم) وهو جملة أسمية من مبتدأ وخبر، يختلف تقدير المبتدأ أو الخبر فيها حسب رؤية القارئ النحوية وتفسيره ،وخبر موصوف لمبتدأ محذوف (إحساس داخلي) تقدير المبتدأ "هذا إحساس داخلي" وقد ورد مرة واحدة أيضا ، والعنونة بحرف (ربما) مرة واحدة كذلك:           

   وطن ، سوء ، فهم ، رحمة  ، الجمال ، صعود ، الغياب ، 18  صعود ، إحساس داخلي ، عبث ،ابداع ، ربما ، براءة ، نسيان ، مما يشير إلى أن المبدع يستخلص الطاقتين التشكيلية والدلالية في قصيدة الهايكو ليبأرها في مفردة واحدة قادرة على البث ،إن محمود الرجبي يخرج على الكثير من اشتراطات الهايكو الياباني مستجيبا لكل ممكنات اللغة العربية في التشكيل والتدليل، إنه يضع لكلّ قصيدة هايكو عنواناً، بينما لا يُفضّلُ ذلك في الياباني ، كما يضع لمجموعة قصائد الهايكو عنوانا رئيسا انطلاقا من وعيه بقدرة سيميائية العنونة على مدّ التيارات الدلالية نازلة وصاعدة في النص من العنوان وإليه. بل هو يعمل على تكثيف الدلالة وإضفاء بعد جديد إليها ، إنه يتوازى مع المتن مرة ويحيل عليه أخرى ويكون له نافذة لأثارة أسئلة شتى يحاول المتن مقاربتها أو الإجابة عنها بطرائق مباشرة أوغير مباشرة حسب أفق توقعات كل قارئ.

اغواء القارئ

 وقد يُضلل الدلالة أو يُشيع فيها اللبس بقصد إغواء القارئ وإثارته وتشويقه لمتابعة القراءة والبحث عن المعنى، وقد يكون توضيحا للمتن كما نجد في الهايكو الأول بعنوان ..(وطن) حيث يبدأ الهايكو بالتشبيه خارجا على شروط الهايكو الياباني بتجنب البلاغة وأدواتها ما أمكن ، وبتجنب اللجوء لضمير المتكلم ، إذ تبدأ سمات الهايكو العربي بالتبلور، تشبيه (كسلحفاة)وضمير متكلم في (أحملُ): 

وطن

كسلحفاةٍ تحملُ بيتها

أحملُ حزني معي

لكنَّه ينامُ في داخلي !!

فنحن أمام مشهدين ، الأول هو المشبه به ، سلحفاة تحمل بيتها على ظهرها في صورة بصرية معروفة، والسلحفاة حيوان برمائي ليس لها أسنان بل لها منقار شديد الضغط ، وهي ترمز لدلالات كثيرة منها صلابتها ظاهرياً وطيبتها من الداخل ،وقدرتها على التعايش ، وتتصف بطول العمر مما يجعلها تحيل على الحكمة لطول خبراتها الحياتية، كما تتسم بالكسب القليل المضمون الذي يشير للحلال، وترمز الى الهدوء والتأني لبطء مشيتها وطول عمرها ، والمشهد الثاني مشهد المشبه: أحمل (أنا) حزني في داخلي ..والعمق الدلالي لهذا الهايكو يتجلى في كون قبعة السلحفاة التي تعلوها والتي يطلق عليها (الدرقة) ذات جلد مقوى بحراشيف قرنية، تدخل في جوفها لتشكل لها وطنا عند النوم وعند الاستراحة وهي وطن خارجي يغطي الداخل،بينما يكون الشاعر وطنا لحزنه وهو مرتبط به ارتباط ديمومة ، فكما أن بيت السلحفاة جزء عضوي في جسمها، فإن حزن الشاعر جزء نابض فيه، مفيدا من شعرية التضاد التي تعمل على تحريك النص وتلوينه بين الظاهر والباطن، والخارج والداخل،والجامع بين المشهدين دلالة الاحتواء التي يوحي بها الوطن. فعنوان الهايكو هنا يُلقي ضوءا على المتن من حيث الترابط المصيري المشترك.السلحفاة (لها) وطن يحتويها ، الشاعر (هو) وطن الحزن متماهيا ، لكن الشاعر يرفض أن يكون هذا الحزن علامة ضعف أو اندثار، ولذلك يقدم رمزه الصلب في شبيهه السلحفاة أولا، فهو بالرغم من الحزن الثاوي داخله ،إلا أنه مقاوم عنيد قويٌّ شديد التحمل ، ومعمّرٌ ليس باستطاعة الحزن ولا الملمات أن تهزَّ إرادته أو تؤثر على استمراره وتواصله مع الحياة، مما يحيل على مقاومة المستوى الدلالي في هذا الهايكو لكل عوامل السلب والضعف الانساني التي بدون مقاومتها لا يمكن لكرامة الروح أن تُصان ، ولا يمكن للإنسان أن يواصل دحره للظلم والاستلاب في سعيه الدائب نحو فضاءات الحرية والجمال وبهاء الخلاص.

في هايكو (سوء فهم) يفيد الشاعر من جمالية الاستفهام في تحريك النص والإيحاء بنبض كلام مسكوت عنه نستشفه من خلال سؤال الجبل في حوار أُعلن منه الطرف الأخيرُ فقط ، عنوان الهايكو هنا يعبر عن اللبس الحاصل في إبلاغ الجمل الخبرية:

البحر نحاتٌ ماهر

ولكنه بطيء

ما معنى بطيء, سأل الجبلُ ؟!

وسؤال الجبل يثير المتلقي للانفتاح على أكثر من دلالة، هل الجبل متفق على مهارة البحر في النحت، هل هو معترض عليها، هل هو معترض على اتهام البحر بالبطء، أم هو لا يفهم المراد من هذا الكلام حقا ، أليس التعبير بالماء وجريانه الدائم إشارة إلى الزمن وفعله في التغيير والنقض والفقدان والموت والانفصال والاندثار أمراً واردا..! إن الجمالية التشكيلية لهذا الهايكو تكمن في الاستفهام الذي عمل على تنشيط حركية الشعرية ، إنها متأتية من هذه الانتقالة السريعة من الاسلوب الخبري في جملتي السطرين الأول والثاني إلى الاسلوب الإنشائي، ثم في إيجاز الحذف الذي غيّب جواب سؤال الجبل بما جعل الجواب متاحاً على احتمالات عدة .أما التنشيط الاسلوبي الآخر والمفاجئ فقد كان في المشهد الثاني المقابل لمشهد البحر، وهو مشهد الجبل الذي ينهض فجأة متسائلاً ومحققا دلالة العنوان في اللبس وغموض معنى البطء في فاعلية البحر / الزمن.

ان الفعل الكامن في اشتغال البحر والجبل هو فعل تضاد، ففي حين ينحت البحر في صخوره وشـــــــواطئه وينقصها، يكون الجبلُ رمزا للتراكم، وكلاهما فعل زمني، سواء في الاندثار أو التراكم ، وتلك هي طبيعة الزمن من الأزل حتى الأبد ، يعطي مرة ويأخذ أخرى،  يسعد ويُحزن ، ويتحول تحولات متناقضة بين الأضداد عبر انسيابه الأزلي.

 

عدد المشـاهدات 1400   تاريخ الإضافـة 02/05/2021   رقم المحتوى 49882
تواصل معنا
 009647901107676
 azzaman_iraq@yahoo.com
الإثنين 2021/6/21   توقيـت بغداد
تابعنا على