00964 790 110 7676     azzaman_iraq@yahoo.com
  الخالصي: عندنا إسلام واحد سياسي بطبيعته وزيارةُ البابا لن تأكل مكة والعراق مركزُ الأحناف

حوارات
أضيف بواسـطة admin
النـص :

إدعاءات فصل الدين عن الدولة غير عملية

الخالصي: عندنا إسلام واحد سياسي بطبيعته وزيارةُ البابا لن تأكل مكة والعراق مركزُ الأحناف

حوار:  مسار عبد المحسن راضي

العلماني؛ مُشرِكٌ مِنْ الوزنِ الخفيف، وعابِدٌ لأصنامٍ فكريّة، يدورُ بواسطتِها زُلفى، في كعبةِ النظريّةِ الإسلاميّة. كانت هذهِ هي النتيجة التي خلصتُ إليها، بعد تشريحِ رؤية الشيخ جواد الخالصي للعلمانيين، المُنتمين إلى الديانةِ الإسلاميّة.

لا تنتظر منه أن يقول شيئاً؛ بالأسودِ والأبيض، و يزهدُ في أن يكون نخبويّاً. ربّما لأنهُ مِنْ مدرسةٍ إسلامية لا تُعاني “الأعجمية”، و لم يبلُغ مِنْ العُمْرِ عتيّاً، لا يجِدُ بأساً مِنْ مُقارعتِك.. يرمي سِهام بعضِ المؤلَّفات و المؤلِّفين وسَطَ إجاباتِه، لكي يعلم إن كان دِرعُ أسئلتِك، قادِراً على حمايةِ الإجابات!

قال القليل وقصدَ الكثير. مثلاً زيارةُ البابا فرنسيس، وَجَدَها مليئةً بـ: الرزايا و الهدايا. وعندما طلب سؤالٌ لي بأن يرى في أمريكا نجاشيّاً، كان مفادُ جوابِه: إنّها نجاشيٌ مع وقفِ التنفيذ. و اقترحَ في حِواري معه، خلطةَ عِطارةٍ تاريخية، لِشِفاء العراق: “اتِحادُ الأعظمية و الكاظمية”.

استغرب في حديثهِ مِنْ طمعِ أوروبا في العراقيين مِنْ الديانةِ المسيحيّة، وكشَفَ أن البيوتات العربية في النجف، ممنوعةٌ مِنْ الصَّرْف في قواعد الهرم العُليا لمرجعية النجف.

أهمُّ شيءٍ عصَرْتُه مِنْ عِنَب حديثي معه، أنَّ البيوتات الدينيّة تحتاجُ البيوتات العلمانية، وأنَّ الأولى تعرِفُ كيف تستخدِم الثانيّة، والعكسُ ليس صحيحاً. اتركُ للقارئ بعدها أن يصنع زبيبه مِنْ كُرومِ الحِوار.

{ نستطيع أن نعتبر الجدل حول تعيين فقهاء في الشرع الإسلامي في المحكمة الاتحادية، أوّل طرقة لفكرة ولاية الفقيه على أبواب السُلطة القضائية؟

– هي في الحقيقة أوّل طرقة وآخِرُ طرقة. كما أن هذا الادعاء بفصل الدين عن الدولة، أو الحياة عن الدين، أو الفلسفة عن الدين، ادعاءاتٌ غيرُ عمليّة أو غيرُ واقعيّة. بالنتيجة سوف نحتاج إلى الدين في كُلِّ هذه المراحل. لذلك مَنْ فرّوا مِنْ التزييف الديني، الموجود في الحكومات القائمة، لجئوا بعدها إلى الجهات الدينية مرّةً أُخرى كي تقوم بتخليصهم.

أنا في رأيي؛ يجب أن يضعوا مجموعة من الفقهاء، بشرط أن يكونوا فقهاءً مؤهلين، لأن هنالِك أيضاً ادعاءات غير صحيحة في الفقه. بعض الناس يحمِلون المشاريع الفقهية، لكنهم غير مؤهلين مِنْ الناحية العلمية ومِنْ الناحية الواقعية أيضاً – الإسلام ليس عِلماً بحتاً، هو عِلمٌ و تطبيقٌ للعِلم في واقع الحياة – و هكذا فقهاء ضروريين لكُلِّ مسيرة الدولة، و لكُلِّ التشريعات، و في القضاء بالذات.

{ إذاً أنت تأخذني إلى أن أسألك التالي: ما هو الشكل والدور الذي يجب أن يلعبه الإسلام السياسي في العراق. دائماً ما أشرت إليه لكن بشكلٍ غامض لا ملامح له؟

– هنالك مسألة أريد توضيحها: لا يوجد شيء اسمهُ إسلام سياسي وإسلام غير سياسي. الإسلام الذي نعتقِدُه، و الذي أُنزِلَ على الرسول؛ مُهمَّتُه، كما نوَّه عنها السيد الصدر في بعض كتاباته: أن يقود الحياة. الدين هو قاعدةٌ للحياة في كُلِّ جوانبها. عندنا إسلام واحد وهو سياسي بطبيعته. المعنى أنهُ يحفِظُ و يُدافع عن مصالح العباد بتطبيقِ أحكام الشريعة الصحيحة.

{ هذا يدفعنا إلى مسألة يجب أن نفهمها: ما هي الحصة التي يبحث عنها من يحمل الفكر الإسلامي والذي يؤمن بأن الإسلام هو قيادة الحياة. تقبلون بمشاركة حقيقية مع توجهات فكرية أخرى..  تضعونهم في خانة الخصم، أم الحليف المؤقت. ألم يأتِ الوقت خاصة للمدرسة الجعفرية الإسلامية بتفرعاتها المختلفة وهي المشهورة بالاجتهاد أن تطوِّر منهجها في هذا؟

– يمكن أن نكون بحاجة إلى ذلك. لكن أودُّ هنا أن أنقل لك تجربة في الخمسينيات مِنْ القرن الماضي. عندما كتب الدكتور علي الوردي؛ كتاباته الأولى، وأثارت عليه الشارع، نحنُ في المدرسة، أقمنا له ندوة، ليتحاور مع الناس. كُنا نُدافِعُ عنه شطراً، ونختلِفُ معهُ فِكراً في بعض النقاط. هذهِ الحادِثة موثَّقة، و مذكورة في أكثر مِنْ كتاب. آخِرُها في أطروحة الدكتوراه الأخيرة؛ التي طُبِعت في جامعة القادسية، وأشخاصُها حاضِرون. منهم أخي الأكبر؛ شيخ محمد مهدي، والذي حضر هذهِ الندوات. كان يذهب مع الدكتور علي الوردي إلى بيته ليلاً، مع مجموعة من الإخوة كي لا يعتدي عليه بعض الغوغاء كما يُقال. ابنُ الدكتور علي الوردي؛ إحسان، سجَّل ذلك في مُذكَّراتِه: كُنا قلقين إلى ان أوصلوا أبانا إلى البيت سالماً.

{ مستعدون وسط هذه الصراعات إذا توفَّرت لنا عقول مثل الدكتور علي الوردي أن تقوموا بدعمها؟

– فعلنا هذا. كُل المُفكّرين الذين تعاملنا معهم، لم يكونوا مِنْ الخطِّ الإسلامي بالمعنى التقليدي. كان قسمٌ منهم قوميين، قسم اشتراكيين و .. إلخ. مثلاً؛ الدكتور خير الدين حسيب رحمه الله، لدينا حوارات وأحاديث معه، والذي كان صُلباً في الحِوار أحياناً. كذلك مع الدكتور وميض عمر نظمي. المساحة واسعة للحوار، أعتقد أن الأئمة، و قبلهم الرسول.. كانوا واسِعيْ الصدر جدّاً مع المشركين وعبّاد الأصنام. لم يكن هنالِك إشكالٌ في ذلك.

{ تعني أن العلمانيين هم درجة مُخففة من المشركين و عُبّاد الأصنام؟

– طبعاً. لماذا أصبح علمانيّاً؟ لأنهُ لم يتبنى النظرية الإسلامية، ولكنهُ ليس عابداً للأصنام؛ بمعنى أنهُ لا يتبنى التوحيد. إذاً هي درجات ومراحل.

نحنُ في حواراتنا مع الإخوة الذين يحضرون عندنا، لا نشترِطُ أن يكونوا من الإسلاميين بالمعنى التقليدي. لكن لا نُخفي إننا ندعوهم إلى الإسلام ضمن حِواراتِنا. نُفْهِمُهُم ما هو الإسلام، لأننا نعتقد إن الإسلام يستجيب إلى الله، ورسوله دعانا إلى ما يكفينا: الإسلامُ نجاةٌ في الحياة، ونجاةٌ في الآخِرة.

الإنسان الذي أُحبُّه و أحترِمُه، أتمنى أن يحصل على حقِّه الأكبر في الإيمان و في النجاة. نحنُ نُثقِّفُ بذلك، لكنهُ ليس شرطاً. أشيرُ أيضاً: إننا لا نبحث عن حصَّة. عندما ألتقينا بالأخضر الإبراهيمي، كُنتُ أنا مع سبعةِ أشخاص. مِنْ تيّاراتٍ قوميّة وإسلاميّة، “شيعة” وسُنّة”. يُمثِّلون طريقتنا المعتادة، في العمل الوطني المشترك. سألنا: من هو مرشحكم لرئاسة الوزراء وذلك قبل أن يخرج بريمر ويُعيّن رئيس وزراء، أجبناه: ليس لدينا مرشح؛ فأجابنا مُستغرِباً: هذهِ أوّل مرّة أرى جماعة سياسية عراقية لا يجلبون مُرشَّحهُم معهم. كان تعليقُنا: نحن نبحث عن حلٍّ عملي، واقتراحنا أن تأتي بكادرٍ من إحدى الجامعات.. مثقف، يفهمُ في الإدارة، ليدير المرحلة الانتقالية، و بعدها تجري انتخاباتٌ حُرَّة.

رشَّحَ الإخوة معي في وقتها؛ الدكتور عبد الحسن زلزلة. كان خارج العِراق وقتها. أشاد به الأخضر الإبراهيمي؛ مُعلِّقاً: أنا أعرِفُه شخصياً. لذلك نحن لا نبحث عن حصَّة. نحنُ نُريد أن تمشي الأمور باستقامة. حصَّتُنا أن نقرأ، نكتُب، نُجادِل، ونُناقِش ونُتابِع فكرياً.. هذا هو أهم شيء.

{ عندما تتحدث عن الوضع السياسي العراقي و تنتقدِه، تقول أنا لست مع أو ضد وأن كلامي توصيفي.. تعصِبُها برأسِ الشارع العراقي لتخرج منها سالِماً!؟

– لا؛ إذا وصَّفنا و تركنا يكون كلامُك صحيحاً. لكن إذا وصَّفنا حتى نكون عادلين وأبدينا رأينا في الموقف، لم نترك الأمر إذاً برأس الشارع. العمليةُ السياسيّةُ عندما حدثت، وصَّفناها: أن قوماً قَبِلوا بها و قوماً لم يقبلوها. نحنُ لم نقِف عند هذا الحد. قُلنا: نحنُ مع القوم الذين لا يقولون بهذهِ العملية، لأنها مبنيةٌ على مواصفاتِ المحتل، و ليس على مواصفاتِ الشعب العراقي. إذاً؛ نحنُ لم نتركُها على الشعب العراقي. كثيرٌ من الناس عارضونا، و الآن أكثرُ الناس يؤيِّدون أنَّ ما قُلناه كان صحيحاً.

{ الصدى الراجع اثبت أن ما أدليتم به في وقتٍ سابق هو صحيح. إذاً أُريد أن افترِض بالنيابة عن الشارع: هل أصبح لديكم رؤية تُشخِّصون فيها التيارات الاجتماعية، الفكرية، و السياسية التي من الممكن أن تبني العراق بشكلٍ أفضل في المرحلة القادمة أم لا ؟

–  نحنُ لدينا هذه الرؤية، منذُ بداية الاحتلال. عندما دعونا إلى قيام المؤتمر التأسيسي الوطني العراقي، شخصّنا التيارات التي يجب أن تُشارِك، ولكن تحت المشترك.. المشترك الوطني الإسلامي. الآن أصبحت القضية أوضح. أرى الآن؛ كثيراً مِنْ التيّارات التي يمكِنُ التعاملُ معها على هذا الأساس.

طبعاً؛ لن ندعم جهِةً تشترِكُ في انتخاباتٍ لا نعتبِرُها نزيهة. نرى الانتخابات بواقعِها الحالي، تمثيلاً لإرادة المُحتل، وهي غيرُ نزيهة. تُقدِّمُ مَنْ تُريد دون الالتفات إلى صندوق الاقتراع. رأينا أن مَنْ فاز بالانتخابات كما يقولون، أُهمِلَ بعد مدَّة. جيء بعدها أيضاً بمن لم يفُز، ثُمَّ أُخرِج هذا الذي لم يفُز إلَّا بأصواتٍ قليلة، و جيء بمن لم يُشارِك في الانتخابات.. إذاً ليست هنالِك انتخاباتٌ أصلاً.

إذا توفَّرت أجواءُ انتخاباتٍ صحيحة؛ سنعملُ على بلّورةِ تيّارٍ في الأُمَّة يجمعُ كُلَّ هذهِ الجِهات. نحنُ لسنا مع المشروع الذي يرسِمُه الخصم، و الذي هو المُحتل. نُريدُ مشروعاً يرسِمُهُ العراقيون. الآن في هذه الأيام هنالِك مُشكِلةٌ قائمة: حكومة تريد أن تجري انتخابات. لكن هذهِ الحكومة غيرُ مؤهَّلةٍ لإجراء الانتخابات.

يجب أن تكون الحكومة التي تُهيّأ الانتخابات حيادية ونزيهة، وهذا غيرُ متوفِّرٍ في الحكومة الحالية، والحكومة التي سبقتها. أنا أقول للإخوة الذين يريدون المشاركة في هذه الانتخابات: هل تضمنون إن فُزتم بمئة صوت أن تأتي إليكم هذه الأصوات؟ وكانت الإجابة: لا نضمنُ ذلك. الانتخابات بشكلِها الحالي مُزيَّفة شِكلاً و مضموناً.

{ تؤكِّد أن على العراقي أن يمتلك ثلاثة عناصر هي: الوحدة والهوية والاستقلال كأن هنالك خيطاً سحرياً يجمعُها لتنظُمها في آخِر المطاف: العِراق له دور محوري.. ما نوع المحوريّة التي يمتلِكُها العِراق؟

الخالصي: هي أسبابٌ واقعيّة، تتعلَّقُ بالجغرافيا، التاريخ، الحضارة، الثقافة، وتتعلَّقُ بالرسالةِ؛ بشكلٍ أوضح وأدق. رِسالةُ العِراق إيمانية إنسانيّة.. هي رسالة الإسلام. هي رِسالةُ عيسى، موسى، وإبراهيم.

النبي إبراهيم وهو أبو الأنبياء، خُتِمت شُرعتُه أو تُبعِت بأنبياءٍ آخرين، وهم كُلُّهم يحمِلون نفس الرسالة. الآن عندنا رِسالة الإسلام، وهي دعوةٌ إلى: التآخي، المساواة، و العيش بسلام في ظلِّ الإيمان بخالِقٍ واحد، و العِراق هو من يحمِلُ هذهِ الرسالة.

{ أفهم منك: أنت تتفق مع الديانة الإبراهيمية و التي تروِّجُ بأن العراق هو مركز الديانات التوحيدية الثلاث؟

– أنا لا أسُمّيها إبراهيمية. إنَّ الدين عند الله الإسلام: ما كان إبراهيم يهودياً ولا كان نصرانياً، ولكنهُ كان حنيفاً مسلماً. النصرانية واليهودية إن عُدنا إليهما كما يقول القرآن الكريم.. كُلُّها تدور حول محورٍ واحد.

{ إذاً العِراق مركز الأحناف!؟

– أحسنت. الإمامُ علي؛ عندما انتقل مِنْ المدينةِ المنوَّرة إلى العِراق، لم ينتقل فقط لأسبابٍ عسكريّة أو سياسيّة. انتقل لكي يُكمِلَ الرِسالة التي جاء بها إبراهيم، والتي ختمها الرسول وتمَّت في عهدِه.

الإمام علي جاء بها إلى الأرض؛ التي ستنطلق منها مرّةً أُخرى. الأرض التي فيها: جميعُ المدارس الفقهية الإسلامية، الثقافية، اللغوية، و الفلسفية. حتّى قبل ذلك؛ فإنَّ شريعة حمورابي والقوانين و الأنظمة السابقة، في هذهِ الأرض، حدث طوفان نوح كما اثبتت البحوث التاريخية، وهي التي عاش فيها النمرود، و.. إلخ. مِنْ جانبٍ آخر؛ فإنَّ العراق قُرب العالم، و مَنْ أراد التحكم بالعالم، عليه أن يتحكم في هذهِ المنطقة، والذي يُريد أن يتحكم فيها، عليه أن ينطلِق أو يتحكم أو يُسيطر على العراق.

هذا هو سبب الحرب على العراق. الصِّراعُ على الشرق الأوسط كما يُسميّه كاتِبٌ فرنسي شهير، ينطلِقُ مِنْ العِراق. أنا أقول: ينطلِقُ مِنْ بغداد، لأن بغداد هي نموذجٌ فريد، في العالم الإسلامي  و العالمي كُلّه. هي مدرسةُ الفكر و الثقافة العربية الإسلامية، و قد ورثت ثقافة المدارس الأُخرى قبل الإسلام. في نفس الوقت، يتنوعُ الشعب العراقي في بغداد.. تنوّع التقارب. يندمِجُ فيها “السُنّةُ” والشيعة”، كما إنّها أكبر مدينة كردية في العِراق.

بغداد؛ تُمثِّلُ قضيةً مُهمة، كُنتُ قد أشرت إليها سابقاً: إذا اتحدت الكاظمية والأعظمية اتحدت بغداد، و إذا اتحدت بغداد قام العراق. في التجربة التاريخية، كلما واجهنا خطراً، واجتمعنا نحنُ أهل الأعظمية، مع أهل بغداد، حققنا نوعاً مِنْ التوازن في مواجهة الخطر؛ الذي كان يحيط بالثقافة و الإيمان في العراق. ما حصل في حادثةِ جسر الأئمة (الشهيد عثمان)، حالةٌ واقعيّة و إيجابيّة؛ ستُذكرُ في مرحلةٍ من المراحل، لمشروعٍ يُهيّأ لهذا الذي نتحدثُ عنه.

{ ما رأيُك بزيارة بابا الفاتيكان إلى العراق، خاصّة أن رئيس الوزراء العراقي اندفع إلى إعلان يوم السادس من آذار: يوم التسامح الوطني في العراق؟

– المظهر الإيجابي السليم للزيارة مُرحَّبٌ به، وليس فيه إشكال. كتبنا ذلِك في بيانٍ، قبل زيارة البابا. قبل المُضي قُدُماً في إجابتي؛ سأتحدثُ لك عن مسألةٍ مُهمة جدّاً: عام 1977 ذهب وفدٌ مِنْ المدرسةِ الخالصيّة، بدعوةٍ مِنْ الفاتيكان، لإلقاءِ محاضرةٍ في المعهد البابوي الكبير في روما. أثناء الزيارة، حصل لِقاءٌ مطوَّل مع البابا؛ بولس السادس في وقتِها، و أيضاً حِوارٌ يخصُّ المستجدات؛ التي تدور أو تحوم حول قضية العلاقة بين الإسلام والمسيحية، أو بين الفاتيكان، العراق، والمراكز الدينيّة.

مجيء البابا وذهابهُ إلى النجف، مسألة كبيرة جدّاً؛ نحنُ نعتزُ بها. أمّا الاعتراضات الكثيرة على ذلك؛ فقد يكون بعضها صحيحاً أو مقبولاً، لكن لا ضرورة لها. مثلاً مَنْ قالوا: كان مِنْ الأفضل؛ لو كان مع السيد السيستاني، إحدى الشخصيات التي تُمثِّلُ “السُنَّة”. أنا أأؤيَّد هذهِ الفكرة، لكن هذهِ ليست ضرورية، لأن بعض “السُنَّة” قالوا: أن السيد السيستاني يُمثِّلُنا جميعاً.

{ أليست هذه مجاملة؟

–  قد تكون مجاملة.. أوافِقُ على ذلك. في بعض الأحيان، نحنُ بحاجةٍ إلى المُجاملات. مثلاً؛ عندما قال السيد السيستاني عن “السُنَّة”: هؤلاء أنفُسُنا لا تقولوا إخواننا. في الظروف الصعبة للبلاد، نحنُ نحتاجُ إلى المجاملات.

الصورة المشتركة لـ السيد السيستاني والبابا، وهما يمسكان بيدِ بعضهما؛ اعتبِرُها صورةً مؤثِّرة، لكن أنا حذِرٌ جدّاً، مِنْ استغلالِ الزيارة لأسبابٍ أُخرى؛ أولئك الذين يريدون استغلالها، للترويج لـ “صفقة القرن” و عملية التطبيع.

 

أنا لا أقول أن البابا قد جاء لأجل هذه المهمة، ولا المرجع السيستاني يُريد أن يفعل هذا الشيء. نحنُ حذَّرنا: أنَّ الزيارة إن كانت لها مُخرجات تخصُّ التطبيع؛ فهذه قضيَّةٌ خطيرة، وإذا كانت بالعكس فستكون إيجابيّة، وهذا ما جرى.. خرجت دلائل على حقوق الشعب الفلسطيني، ولو أنّها قد لا تكون بالمستوى المطلوب.

{ هناك قوى سياسية حاولت أن تستغل ما أشرت إليه، من خلال إصدار طابع بريدي مُعيَّن فيه خارطة تُشير إلى أهداف مُعيَّنة!؟

– نعم؛ التقسيم و التجزئة. هي لُعبة، لكن أنا لا أقول: أن البابا يُريدُ ذلك أو يعلمُ به. مجيئهُ للعراق شيء جيّد، لكن أحد السلبيات التي كان ينبغي أن نُركِّز عليها، هو أنهُ سيأتي للضغط على العملية السياسية؛ بمعنى يُعطيها الشرعيّة السياسية، مِنْ خِلالِ ضمانِ حصولِها على الشرعيّة الدينيّة. لكن عدم لقائِه السياسيين، أعطى وجهة النظر الأُخرى.. أنهُ كان في رِسالةٍ حضاريةٍ إنسانيّة.

الأهمُ عراقياً؛ يجب أن نسأل: هل هذا كافٍ لدرء الخطر؟ أقول: ليس كافٍ. نحتاجُ إلى أشياءٍ أُخرى. لكن لحدِّ الآن والحمد لله، الزيارة أظهرت أشياء: مثلاً؛ الصلاة المشتركة في أور، واحدةٌ من القضايا التي كانت تهدِفُ إلى أشياءٍ غير قابلة للتحقُق.. لا مكة سوف تُترك، أو سيأتي الجميع للصلاة في أور. لكن ذلك أظهر القوى التي تُريد استغلال الزيارة، و في العموم نحنُ نعتبِرُها زيارةً إيجابيّة و جيّدة جدّاً.

{ واحدٌ من الخالصيين وصف مُجسّم الكعبة في كربلاء بأنه “كفر بواح وارتداد عن الدين”. ما الهدف من هذا المُجسَّم وفي هذا التوقيت؟

– أنَّ هذا المُجسَّم كان يُعرضُ في احتفالات ذكرى ولادة الإمام علي، على اعتبار أن الرواية الشيعية المعروفة، تذهبُ إلى أن الإمام علي، ولِدَ في جوف الكعبة. الشعراءُ نظموا في ذلك؛ شِعْراً كثيراً. القضية المهمة هنا، والتي يجب أن أُذكِّر بها: كانت تُبنى نماذِجٌ للكعبة في بعض الدول الإسلامية، مِنْ باب التعليم و التوجيه. لكنها في هذا اليوم وفي هذا التوقيت، كانت لغايةٍ أُخرى: أنَّ “الشيعة” خرجوا مِنْ الدين وأصبح لهم دينٌ آخر.

{ استطيع القول إذاً: أنَّ رجال الدين “الشيعة” يعيشون على اقتصاد المقابر وتسطيح الوعي العراقي ؟

– المقابر كما تعلم لها دورٌ اقتصادي في كُلِّ مكان. في أمريكا مثلاً: شَّرِكات الدفن تعتبرُ مِنْ الشَّرِكات الكُبرى..

{ أُريد أن أأؤكِّد مسألة هنا: ميزة رجال الدين الشيعة أنهم يربطون بين العمليتين بطريقة لا انفصال بينهما؟

– طريقة دراماتيكيّة. المدرسة الخالصيّة ليست مع تسطيح الوعي الذي ينتهي إلى المقابر. نحنُ مع الخط النبوي الذي يقول: ألا تزورها فإنّها تُذكِّرُكم بالآخِرة. القبور للتعلُّم والوعي. في وصايا سبحانه تعالى لرسولِه عيسى: يا عيسى هب لي من عينيك الدموع ومن قلبك الخشوع وقِف على أهل القبور ونادهم بالصوت الرفيع لعلّك تأخذُ موعِظتك منهم وقُل أنا لاحِقٌ بكم في اللاحقين. الإنسان ينتهي إلى المقبرة وعليه أن يعتبِر. نحنُ ضِدَّ المتاجرةُ بذلك. الإسلام يريد أن يخفف عن الأحياء ويحترم الموتى. أمّا المتاجرة التي تقول: اثقِلوا على الأحياء وأطيلوا أمدَّ عذاب الموتى قبل أن يدفنوا؛ فهذه مسألةٌ لا نعتبِرُها صحيحة.

هناك بعضٌ ممن يوجِّهُ النقد إلى مدينة النجف الأشرف؛ يقول: هذهِ المدينة مِنْ طبقتين؛ طبقة أموات و طبقة أحياء؛ الأحياءُ فيها يعيشون على الأموات. طبعاً؛ هي أكثرُ مِنْ ذلك. هي مدرسةٌ علميّة كبيرة، يقصِدُها الناس للتعلُّم، ويقصِدُها الناس لدعم ابنائهم الذين يتعلَّمون، مثل الجامعات الكُبرى في العالم.. هكذا كانت النجف في الأصل، لكن بعض الناس اتجهوا بها إلى الجانب السلبي.

{ أنت من القلائل الذين أشاروا، إلى أن المرجعيات الدينية “الشيعيّة” في العراق تُعاني من بطانتِها. أليس ذلك إجراءً وقائيّاً كلاسيكيّاً تعوَّدت عليه المرجعيات لتنجو من مسؤولياتِها؟

– لا؛ هذا وصفٌ واقعيٌ للحالة؛ قائم و موجود. توجد حواشي محيطة بالمرجعيات، تُصدِرُ قراراتٍ، و تقومُ بأمورٍ ليست صحيحة. قد لا يتقبلُها المرجع شخصياً. طبعاً؛ هذا لا يُبرِّأ المرجع أو المؤسسة، و يجب أن يكون هنالِك عِلاجٌ لهذهِ القضية.

 لدي ملاحظةٌ مريرة: قضية الاستبداد والتحكُم في القرارات، موجودةٌ في كُلِّ مكان. هي موجودةٌ في المؤسسة الدينية بنسبةٍ أكبر، خصوصاً إذا أمكن عَزْلُ المرجع. مسؤولية المرجع أن تكون لديه نوافذ عديدة، يطُلُّ بها على الناس، حتى يكون حاضِراً بينهم، ويتفاعل معهم.

تُعاني هذهِ المرجعيات أيضاً مِنْ: العمر العتي، والغربة.. بمعنى ليسوا عراقيين. هناك تعمُّدٌ في أن يكون المرجع أعجمياً كي لا يختلِط بالناس. وهذا النقد للسيد محمد باقر الصدر، كتبهُ في كُرّاسٍ له، اسمهُ “المحنة”: نحن منقطعين حتى عمّن يبيع الشاي و البقال ولا نُسلِّم عليهم؛ فأصبحت هناك عُزلة. هذا برأيي مقصود، حتَّى يبقى المرجع تحت ضغطٍ واحد. الضغط يستفيدُ منهُ مَنْ يخطِطون للهيمنة على العراق، على المنطقة، وعلى العالم.

أُحبُّ هنا أن أنوِّه وبإشارة سريعة إلى مشكلةٍ أُخرى: تعدُد القرارات. منطقةُ الكاظمية، و الصحن الكاظمي، مِثالٌ بارِز، حيثُ جرت قضايا معروفة.. ليس معنا فقط ؛ بل مع آخرين: أُغلِقَ مسجد الإمام أبو يوسف، و الذين أغلقوه نسبوا القرار إلى المرجعية. المرجعية نفت ذلك، لكن بعد فوات الآن.

أحد وكلاء المرجعية أبلغني: مُنعِت مِنْ الصلاة، وذهبت إلى المرجع – يقصِدُ هنا السيد السيستاني – بحسب رواية الشخص المعني. و أخبرتُه: هل منعتنا يا سيّدنا مِنْ الصلاةِ في المسجد؟ فأجابني بالتعبيرِ عن استغرابِه.

 

أنَّ مَنْ فعلوا ذلك ادّعوا: أنهُ أمرُ المرجعية الدينية أن لا يُصلّي هذا الشخص في المسجد. هذا دفعني إلى أن اعتقِد وفيما يخصُّ مسائِل أُخرى: أنَّ العملية السياسية التي مُرِرَت باسمِ المرجعية ، كانت ترتكِزُ إلى هذه الحالة (تعدُد القرارات) أكثر مِنْ كونِها قد صدرت مِنْ المراجعِ أنْفُسِهِم.

{ تتفِقُ معي عندما قُلت أن مرجعية الدين في النجف: دائماً ما يكون هرمها الأعلى متكوناً من جنسيات متعددة آسيوية – ليس فيها رائحة عراقية أو عربية – مما يُسبِبُ صراعاً نفسياً للمنتمين إلى المذهب الجعفري الإسلامي والذين أغلبهُم عربي.. ألا تجِدُ ذلك شيئاً عجيباً وغريباً ؟

– سأُظهِرُ ما تقول إيجابياً: هذا دليلٌ أن الشعب العراقي و “الجعفرية” أو “الشيعة” بالذات، ليسوا ذوي نظرةٍ عُنصريّة. ليكن العالم هندياً، فارسياً، أفغانياً، أو باكستانياً، ليس في ذلك ضيرٌ؛ بل “السُنَّةُ” في العراق و العالم العربي، نسبةٌ كبيرةٌ منهم مِنْ الأحناف؛ إن لم يكونوا الأغلب، لم يُضِرْهُم أنَّ الإمام أبو حنيفة مِنْ أصولٍ فارسية ولا البخاري. في المذهب “الشيعي” الحال كذلك. الخلل ليس في هذا التوصيف الذي ذكرته، إنّما في طريقة الممارسة.

المرجع الأبرز في ثورة العشرين، هو ميرزا محمد تقي الحائري الشيرازي؛ كان إيرانياً، لكنهُ كان يجلس مع العراقيين كعراقي، ويسمعُ للعشائِر، الناس، و الأطراف الأُخرى. الثورة طبعاً؛ نشأت من هذه العلاقة، و بوجودِ مراجع أُخرى عراقيّة.

{ لكن المرجعية حالياً بتنوعها وتفرُّعِها هي تشير إلى مصالح قوميّة لدولٍ أُخرى؟

– هذا فيه التباسٌ خطير، و خلطٌ ليس دقيقاً، و مِنْ الممكِن أن يكون مُتعمداً، أنَّ المرجعية في النجف لأنها: إيرانية، أو باكستانية، أو أفغانية؛ فإنَّها تُمثِّلُ تلك الجهات، وهذا ليس بصحيح.

الجزءُ الفارسي مِنْ المرجعية في النجف، ليس على وئامٍ مع البرنامج الإيراني، ولذلك كان هنالك قسمٌ يتخوَّف مِنْ تقويةِ المرجعية في النجف (الإيرانيّة) بزيارة البابا،  وأن يكون المقصودُ منه: سحبٌ لـ “الشيعة” العرب والعراقيين كي لا يكونوا مع إيران. هذا بالطبع ليس مُحققاً وليس معروفاً، أو مطلوباً في اللقاءات، إنّما فكَّر فيه البعض من المُستغلين الذين أشرتُ إليهم.

المسألة الأهم: أنَّ المرجعية في النجف، ليست داخلة في عُمقِ الناس، و إنّما الناس داخلون في عُمقِها. وهذا شيء لا يخلو مِنْ غرابةٍ في بعض الأحيان. يبدو أنهُ شيء مخطط. لهذا المراجع العرب في الأغلب مُهمَّشون مُحاربون. هذا ليس شيئاً حاصِلاً الآن. أضرِبُ لك مثلاً: هنالِك قولٌ مشهور، ينقلُه السيد طالب الرفاعي المعروف، وهو أحد تلاميذ الشيخ عباس الرميثي: شيخنا خلي نسولف وياك (دعنا نتحدث معك) وين نشوفك (أين نراك) فأجابني: لا بويه (يا بُني) أني عرُبي (أنا عربي) ما يصيرلي رجا (لارجاء لي).

بيوتات كثيرة في النجف عُزِلت، وهذا ليس مبنياً على الانتماء القومي فقط. مبني كذلك؛ على علاقة و دور هؤلاء المراجع عبر التاريخ وليس اليوم فقط، مع الجهات التي تستطيع أن تقوّي هذهِ المراجع. في بعض الأحيان، الشاه الإيراني كان يتدخل فتقوى مرجعية على مرجعية. أحياناً الحكومة العراقية تتدخل و تقوّي المرجعية و تسمحُ لها بالظهور. كانت تحاوِل، لكنها للأسف و كالمعتاد: لم تكُن تُحسن التعامل ولا تعرِف كيف تقوم بذلك.

{ تصريحاتُك ضِدَّ الولايات المتحدة الأمريكية مثل صخرة تسقُط من رأس الجبل لكن نظيرتها ضِدَّ إيران مثل مياه الشلال تقوى حيناً و تضعُف أحياناً كُثُر.. فلماذا ونحن نعرف: إيران كانت كسرى و أصبحت مذهب و علاقات، لماذا لا تُفكِّر أن تتعاون مع الجميع  وفق المشروع العراقي و أن ترى في الولايات المتحدة الأمريكية نجاشيّاً؟

– كجلمودِ صخرٍ حطَّهُ السيلُ مِنْ عَلِ.. والله إذا أصبحت نجاشي فنحنُ نُرحِّبُ بذلك. نحنُ نُريدُ منها أن لا تكون صاحبة القرار في الشأن العراقي، لكن منذُ بداية الاحتلال وإلى الآن  – وبحسبِ سياسيين قريبين منها – أن أمريكا هي صاحبة القرار.

أمريكا إذا تخلت عن عقلية الهيمنة، وجاءت إلى عقلية المحاور، المشارك، والصديق لا بأس. بالمناسبة؛ أشيرُ هنا وبما يُناسِبُ سياق حديثنا: لامنا البعض.. أقصد لاموا الوالد، لأنهُ ذهب عام 1954  إلى مؤتمر بحمدون للحوار الإسلامي المسيحي، والذي كان مؤتمراً مشبوهاً.

الوالد أجاب: أنا لست ُأنفي ذلك، لكن أنا لدي رسالة سأقرأُها في المؤتمر. ذهب وقرأها في المؤتمر، و هذا هو الأهم. خلاصةُ الرسالة: إن كنتم تريدون الحوار والتواصل معنا باحترام فأهلاً وسهلاً.. أنا ليست لدي مشكلة مع أمريكا. لكن تحتلُ بلدي، وتُرسِلُ قوّاتِها، وتُدمِّرُ البلد، وتَحِلُّ الجيش، وتسرُق البِلاد، و تُنتِج الفساد الذي هي مسؤولةٌ عنه، وتُثير الطائفية.. فماذا تبقى كي اتحاور معها.

أتاني أحد الأشخاص؛ وأنا أظن أنك قد سمعت هذهِ القصّة، قال لي: أنَّ بريمر يُريدُ لقاءً معك، لأنك تتكلم بشكلٍ ليس كما يتكلم به الآخرون.. تملُّقاً و مجاملةً وطمعاً. قُلت له: أنهُ محتل؛ لا يمكن التفاهم معه إلَّا بالأسلوب الذي تُقِرُّه القوانين الدولية.

كتبتُ تغريدة قبل أيّام: أنَّ الجنرال بيتان؛ بطل فرنسا القومي في الحرب العالمية الأولى، قَبِلَ لإنقاذ فرنسا، أن يتعاون مع الألمان في الحرب العالمية الثانية، وحُكِم عليه بالإعدام مع كِبَرِ سِنِّه. كان مُخلِصاً، وقدَّم دِفاعاً مجيداً عن نفسه، لكن لم يقبلوه منه، لأنهُ تعاون مع المحتل. الخلاصة أن الأمريكان هم المسؤولون عن ذلك.

{ بيّنتم أن المدرسة الخالصية لديها مشروع سياسي في القادم إذا توفَّرت الشروط لحياة سياسيّة صحيّة.. هل ستعرِضونه على إيران بسبب العلاقات الموجودة المتشابكة التي يُغذيها نسغ المذهب و تقولون لهم: رضيتم أم لم ترضوا!؟

–  نحنُ عَرَضنا ذلك على الإيرانيين، منذُ مُدَّةٍ طويلة، و بشكلٍ كامل قبل الاحتلال بسنين، و بعد الاحتلال، و أكشِفُ لك: أنَّ نوري المالكي لم يكن يدري بهذا الطرح.

خُلاصة الأمر؛ يجب أن نؤسِسَ مشروعاً عراقيّاً، نطرحُه على الجميع بمن فيهم إيران؛ التي قُلنا لها: هذا مشروعنا وعليكم أنتم أن تقتنعوا بالمشروع لا أن تفرِضوا علينا مشروعكم. هذا ليس من باب التحدي، ولكن من باب الواقعيّة. وبالمناسبة توجد في إيران شخصيات عاقلة تقول: هذا هو الأسلوب الصحيح.

أحدهم سألنا: تريدون عراقاً مُستقلِاً؟ أجبناه: طبعاً؛ فعاد و أكَّد: نحنُ نريد ذلك أيضاً، و أن لا يُفرضَ عليكم رئيس وزراء، لكن ليس عِراقاً مُستقِلاً يُعادي إيران.

نحنُ ضِدَّ الحرب العراقية الإيرانية. طبعاً؛ العراق المستقل، لا يتنافى مع قناعاتِنا بوحدةِ الأُمَّة الإسلامية. هذا نصِلُ إليه لاحقاً. مبدئياً؛ نحنُ لدينا مشروعٌ عراقي، يتولاهُ العراقيون، و يؤكِّدُ استقلالية العراق، وحدته، و هويته.

هذا الأمر يؤسِسُ لنا دولةً في العراق. ليس مِنْ مصلحةِ إيران أن تكون في العراق دولة ضعيفة كما يظنُ البعض. مصلحة إيران، السعودية، تركيا، و كُل العالم، أن تكون في العِراق دولة قوية، لكن عاقلة، لا مُتهوِّرَة، ولا تلجأ إلى الحروب.

{  بعد 2003 لم تُمارس النخب السياسية التي تولت الحكم في العراق ما يجعل المجتمعات العربية تشعر بالأمان والثقة من هذا النظام. ألم يأتِ الوقت أن تمارس جميع القوى العراقية: الدينية، السياسية، والثقافية – مع تقليل الوزن الديني – توجهات مُعيَّنة تخلِقُ حالة من الطمأنينة بين العراق و هذه الدول؟

– هذا الشيء مارسناهُ بشكلٍ كثيف. ألتقينا بالسياسيين من كّلِّ الدول العربية. في الخليج وغيره. أنا كنتُ أُفضِّل أن يذهب شخصٌ ليس شيخاً أو معمماً. أقنعتُ مجموعةً مِنْ الشخصيات العراقية “السُنيَّة” والشيعية أن يذهبوا إلى إيران، ويتكلموا مع المسؤولين الإيرانيين بكُلِّ صراحة ووضوح، لكن للأسف الذين نجحوا في إيران، هم الذين ذهبوا ليأخذوا الدعم من إيران، لكن الشخصيات النظيفة لم تنجح. كلامُنا هذا تكلمنا به مع الدول العربية المجاورة جميعُها. مِنْ ضمنِها سوريا، والتي قضينا فترةً طويلة فيها، مع الأردن ، مع السعودية،  مع مصر، مع الإمارات لمرّات قليلة، ومع قطر. الفُرص كانت قليلة؛ وتكلَّمنا معهم بالطريقةِ التي تحدثنا بها مع إيران. أنا أخبرتُ إحدى الشخصيات السعودية والإيرانية: إذا دعمتم “الشيعة” في العراق وأنتم تدعمون “السُنَّة” فنشكرُكُم على الحرب الأهلية.

سألوني: ما هو الحل؟  أجبتهم: أنَّ هذه المجموعة التي تُهِمُكُم مِنْ “السُنَّةِ” و”الشيعة”، يفكِّرون مِنْ مُنطلقٍ وطني عراقي، و متآخيةٌ معكُم، لكن لا تأخذوا من هؤلاء الكاذبين الذين يتبعونكم لكي تدفعوا لهم المال.

{ المملكة العربية السعودية أكبر دولة عربية في منطقتنا الإقليمية.. ألم يَسِروا لكم مثلاً أنهم يودون إشارة ما كي يشعروا بالطمأنينة؟

–  نحنُ لم نتكلم باسم الحكومة. الحكومة العراقية ليست صاحبة قرار، لا في علاقتِها مع إيران، ولا في علاقتِها مع السعودية. نحن تكلَّمنا باسمِ ما نعتبرِهُ الحالة الشعبية العراقية.. الحالة الوطنية، وأن هنالِك تغييراً قد حدث في العراق، على يد الأمريكان، و نحنُ نرفض هذه العملية، مع إننا كُنا نرى أن النظام السابق هو سبب المشاكل في العراق و المنطقة.

طلبنا منهم أن يتفاعلوا و يتفاهموا مع مشروعٍ وطني عراقي، لا يكون تابِعاً للسعودية أو إيران. قُلت لهم باحترامٍ ومحبة: يُهمنا أن تتقارب الدولتان لا أن تتناكفان. يُهِمُنا ذلك كأُمَّة و كمنطقة، لكن لا تجرّوا العِراق إلى هذهِ المعركة.

{ برأيك.. هل هنالِك عددٌ كافٍ من النُخب في العراق تطمح لعلاقات جيّدة مع الجميع.. على الأقل في المشروع الذين تدعون له؟

– العدد كبير جدّاً في المنطق، وفي الكلام، لكن عند العمل تأتي المصالح.

{ المسلمون في البِلاد بمذاهِبِهم المختلِفة فقدوا ثقة العراقيين من الديانات الأُخرى.. كيف نستعيدُها؟

– حسنُ العِلاقة، طمأنتُهُم في عيشِهم، وعدم المِنَّة عليهم بذلك فهم أبناء البلد. هم جزءٌ منّا، ودفع الأذى عنهم كما ندفعُ الأذى عن كُلِّ عراقي.

عندما كان يحصل اعتداءٌ على كنيسةٍ، كُنتُ أشعرُ بألمٍ أكبر، مما لو تمَّ الاعتداءُ على مسجدٍ. المسيحيون؛ جزءٌ منهم تاريخُهُم في البلدِ أقدمُ مِنّا. نحنُ كعرب؛ جئنا مع الفتح الإسلامي، لكن هذا الجزء أقدمُ مِنّا كثيراً.

أنَّ المسيحيين كانوا بالملايين عندنا و الآن صاروا نصف مليون.. هذا شيء يحِزُّ بالنفس و يؤلمني. تألمتُ أيضاً، عندما سمحت نيوزيلندا باللجوء للمسيحيين من إحدى الطوائف؛ فكَّرت: أنَّ هذهِ الدولة وضعتنا في عقلها و هي دولة علمانية.

أضرِبُ لك مثلاً آخر أبدأهُ بهذا التــــــساؤل: مَنْ الذي أخرج اليهود من العراق إلى فلسطين عام 48، 49، 50، 51 و 1952 .

لم يكُن العراقيون سبباً، و إنّما الوكالة اليهودية و التفجيرات التي قاموا بها. حتَّى الحُكم الملكي – رغم إنّي لستُ معجباً به – اتخذ موقِفاً ليس يسيراً ضِدَّ هؤلاء الذين أرادوا إخراج اليهود. هناك كِتابٌ مشهور اسمهُ (سموم الأفعى الصهيوني)، يذكرُ هذه القضايا و الأحداث التي جرت. إذاً نحن خسِرنا اليهود الذين لم يكونوا راغبين بالهجرة، فهل هذا من مصلحة العراق؟

كان مِنْ المفروض أن يبقوا مواطنين. الصهيونيّة شيء، إسرائيل شيء، واليهود في بلدهم العراق شيء آخر. بالمناسبة اليهود العراقيون، مِنْ أكثر اليهود التِصاقاً بأوطانهم، وهذهِ أمرٌ فيه كثيرٌ من الشواهد. حتّى في مصر و المغرب، جرت أحداثٌ مشابهة. الحركة الصهيونيّة كانت و ما زالت تريد استغلال اليهوديّة، لمصالحها الخاصّة.

عدد المشـاهدات 10349   تاريخ الإضافـة 23/03/2021   رقم المحتوى 48557
تواصل معنا
 009647901107676
 azzaman_iraq@yahoo.com
السبت 2021/5/15   توقيـت بغداد
تابعنا على