نبض القلم
ناطور يترقب
طالب سعدون
الصحافة قبل ان تكون وظيفة وعملا لكسب الرزق ولقمة العيش ، وقبل ان تكون نافذة لنقل الاخبار، هي شاهد على مسيرة الوطن والمواطنين وما يمربه الوطن من تحولات اجتماعية وسياسية واقتصادية ، هي رسالة سامية وموقف اخلاقي وانساني نبيل يتعدى المحلية الى العالمية في نقل الحقائق والحوادث والتفاعل مع قضايا الشعوب العادلة .
وبما ان الصحافة تتعامل مع الحدث ، والحدث لا يعرف الرتابة ، فلا يخبرمن يتعامل معه بوقوعه مسبقا او في اي زمان ومكان ، فهذه الحالة تفرض ان يكون الصحفي بمواصفات خاصة ترتقي الى هذه المهمة ، واولها الجاهزية التامة لاي حدث وطارىء في التغطية والكتابة والتصوير .
قبل كل ذلك وغيره فان الصحافة ووسائل الاعلام الاخرى وصفت بانها ( ناطور ) يترقب ، اي حارس لحماية مصالح الوطن والمواطن، يساعد اصحاب القرار في عرض قضايا مهمة امامهم في أي بقعة قد لا تصل اليها عين الدولة ، واسقاط هذه الصفة من الموروث الشعبي على الصحافة يعني ( انها عين ساهرة على الجميع ) .
ناطور يترقب قد ياتي او لا ياتي من يترصده لكنه على اهبة الاستعداد لمواجهته في كل الحالات .
سلطة معنوية ( الرابعة ) كما يطلق عليها تتعاون مع السلطات الاخرى وتراقبها ، مهمتها ليس نقل الحدث فقط بل الرقابة والتوعية وعرض الحقيقة .
لذلك تجد من ينتسب الى الصحافة يعملون ويبدعون تحت كل الظروف والاحوال وتقلب امزجتهم ، ينتجون سواء كانوا في قمة نشاطهم وراحتهم، أو في أشد حالات مرضهم وتعبهم لان هدفهم الاسمى نقل الحقيقة وكشف الحالات الغريبة عن المجتمع والسياقات النظامية والاحداث واستقراء المستقبل .
والصحافة لديهم رسالة عنوانها التضحية من اجل الحقيقة ، ولهذا تجد الصحفي متأهبا دائما و في حالة ترقب دائم وانتظار ، وإستنفار ، كالجندي يده على الزناد ، وزناده قلمه وكامرته وهاتفه ، يتنقل مع الحدث اينما كان وتحت كل الظروف والاحوال .
وفي مقال سابق نقلت عن احد الاكاديميين من الصحفيين الرواد في حديثه وهو ينقل ومضات من تجربته الاعلامية والصحفية ان ( الصحفي الحقيقي كالطبيب الجراح ، بإمكانه أن يجري عملية جراحية عاجلة للمريض ، في أي وقت حتى وإن تطلبت الحالة إيقاظه من نومه ، ونزوله من سريره ، الى صالة العمليات مباشرة .
هذه هي صفة الصحفي المحترف ايضا ، وليس الهاوي ، أو المدعي الوصل بصاحبة الجلالة ، وحسب طبيعة عمله ، مراسلا ، أو محررا ، أو كاتبا.
والكاتب الصحفي يمكن أن يكتب مقاله ، أو ينجز ما يكلف به من قبل الصحيفة مباشرة ، حسب طبيعة عمله وتحت كل الظروف ، ودون موعد مسبق ، لان بعض المواضيع والاحداث طارئة ، ولا تتحمل التأجيل ، ما دام يمتلك مهارة الكتابة ، وادواتها اللغوية والفنية ، وموهبة تدخل فيها ذاكرة ( فوتوغرافية ) وذهن متوقد ، ولديه رصيد جيد من المعلومات العامة ، والخاصة عن أي موضوع ..فهي باختصار تتطلب من ابنائها التوازن بين المهنية والمهمة في اداء الرسالة بامانة في خلق حالة من الوعي وتنوير الراي العام بالحقائق كما هي .
وعلى اساس هذه المعايير التي وردت في حديثه ليس كل من لديه معلومات طبية وصحية عامة ، أو يقرأ كتابا بالطب ، يمكن أن يكون طبيبا ، ولا كل من له اطلاع عام بالقانون ، يمكن أن يمارس المحاماة ، أو يكون قاضيا ، أو مدعيا عاما.. ولا يستطيع من يفهم شيئا في مجالات الهندسة المتنوعة ، أن يكون مهندسا ..
وهكذا بالنسبة للصحافة أيضا ..فليس كل من يدعي الوصل بالصحافة ، أقرت له الصحافة بذلك .. ويتناسى البعض أن من مميزات الصحافة الذاكرة القوية ، ولا تصاب بالزهايمر، وهي واحدة من الشواهد ليس على العصور ، وإنما على أبنائها ايضا ، وتعرف من هو من صلبها ، ومن هو بالتبني .
الصحافة معين للتاريخ في توثيق ما تنقله ، ليكون جزءا منه ، وهي كذلك احد المعايير المهمة في قياس تقدم الشعوب ومستوى الوعي والحرية .
وكما تكون جزءا من التاريخ العام وذاكرة الوطن كذلك تحفظ الصحافة التاريخ للصحفي ، من خلال أعماله التي يحافظ فيها على مبادئه، التي تقتضي الموضوعية ، والتجرد عن الامور الذاتية ، والمصالح الشخصية ، والإنصاف فيما يكتب ، لأنه إختط لنفسه هدفا ، لن يحيد عنه ، وهو الوصول الى الحقيقة المجردة ، ويترك للمتلقي يقدر قيمتها ، ويقرر ما اذا كانت حقيقة أم لا ..
والصحفي يعشق الصحافة ، كعشقه لذاته ، ويرتقي عنده الاهتمام بما يكتب الى درجة الاهتمام بنفسه ، لانه لم يدخل الصحافة بحثا عن عمل لم يجده في غيرها ، وانما لانه يهوى الصحافة بكل مخاطرها ومتاعبها وتبعاتها ، ولن تنفعه الشهادة الاكاديمية إن لم يكن بتلك الصفات المميزة .
هناك كتاب وصحفيون تميزوا بقدرة فائقة على التواصل مع القارىء ، وحفروا أسماءهم في قلوب شعوبهم ، وهم لا يحملون شهادة في هذا التخصص ، لانهم عبروا في ما يكتبون أصدق تعبير ، وأصبح ما كتبوا ليس جزءا من تاريخ الصحافة فحسب ، وانما من تاريخ اوطانهم .
العلاقة بين الصحفي والصحافة علاقة العاشق بمعشوقته يتبادلان العلاقة حبا بحب .
هكذا يقول أهل المهنة في دساتيرهم المهنية ، ولا جدال في ما يقولون ..
+++
كلام مفيد :
الحياة مثل البصل قشرة تحت قشرة ولا شيء في النهاية الا الدموع . ( انيس منصور )