شهادة مراسل سابق في بغداد.. من مواجهة الرقابة الأمنية إلى إختراق الرواية الرسمية
شاكر حامد
قبل انطلاق قناة الجزيرة، كان الإعلام العربي، في معظمه، أسيراً للرواية الحكومية الواحدة، تحكمه البيانات الرسمية وتضيق فيه مساحات الاختلاف، فيما كانت الأصوات المعارضة غائبة أو محاصرة. وجاء ظهور الجزيرة ليشكل تحولاً لافتاً في المشهد الإعلامي، بفتح أبوابها للنقاش واستضافة شخصيات لم يكن مسموحاً لها بالظهور على الشاشات الرسمية، وطرح قضايا كانت تعد من المحظورات السياسية والإعلامية.
لم يكن الأمر مجرد تغيير في أسلوب تقديم الأخبار، بل تحولاً في علاقة الإعلام بالسلطة والمجتمع، أعاد الاعتبار إلى حق المشاهد في معرفة وجهات النظر المختلفة.
ومع مرور ثلاثين عاماً على انطلاقتها، تبدو التجربة مناسبة لاستعادة تلك المرحلة من خلال شهادات الصحفيين الذين عملوا في بيئات سياسية وأمنية شديدة التعقيد. وبالنسبة إليّ، كانت بغداد واحدة من أكثر تلك التجارب صعوبة وثراءً؛ فقد بدأت عملي مراسلاً للجزيرة عام 1996، واستمرت التجربة حتى سقوط نظام صدام حسين عام 2003.
بغداد.. الصحافة على حبل مشدود
لم تكن مهمة المراسل في بغداد مجرد نقل الأخبار، بل اختباراً يومياً للقدرة على العمل في بيئة تراقب فيها الأجهزة الأمنية كل كلمة وتفصيل، وتتعامل مع أي خروج عن الرواية الرسمية باعتباره تحدياً سياسياً وأمنياً.
كانت المدينة محكومة برقابة مشددة، وكان كل لقاء محسوباً، وكل تصريح خاضعاً لاحتمالات التأويل. وفي المقابل، جاءت الجزيرة بأسلوب إعلامي مختلف، فلم تكتفِ بنقل الرواية الرسمية، بل فتحت المجال أمام أصوات المعارضة وطرحت أسئلة محرجة للنظام، الأمر الذي وضع مراسلها في مواجهة مستمرة مع الرقابة.
ومن أكثر المواقف التي تختصر طبيعة العمل الصحفي آنذاك، ما حدث خلال الهجوم الأميركي على العراق في ديسمبر/كانون الأول 1998، المعروف بعملية «ثعلب الصحراء». خلال تغطيتنا المباشرة للقصف على بغداد، أشرنا إلى سقوط أحد الصواريخ على ضفاف نهر دجلة قبل وصوله إلى هدفه، وهو أحد المباني في المنطقة الرئاسية. اعتبرت السلطات العراقية ذلك بمثابة «تصحيح للإحداثيات»، وكأن المراسل يقدم معلومات تساعد على توجيه الضربات العسكرية! وعلى الفور أبلغتني وزارة الإعلام العراقية بضرورة قطع البث المباشر.
كانت حادثة كاشفة لطبيعة العلاقة بين الصحافة والسلطة؛ فحتى وصف ما نشاهده على الأرض كان يمكن أن يفسر باعتباره تجاوزاً للخطوط الأمنية الحمراء.
في مثل هذه الظروف، لم يكن الصدام المباشر خياراً متاحاً دائماً. لذلك اعتمدت ما يمكن وصفه بـ«الدبلوماسية الصحفية»، القائمة على اختيار المفردات بعناية، وصياغة التقارير بطريقة تنقل جوهر الحدث وتكشف أبعاده من دون التفريط في الحقيقة أو الوقوع في مواجهة قد تؤدي إلى منع المراسل من العمل أو إبعاده عن البلاد.
كان التحدي الحقيقي ألا يتحول الحذر إلى رقابة ذاتية، وألا يصبح الحفاظ على القدرة على العمل مبرراً للتنازل عن المسؤولية المهنية.
الحصريات.. اختراق جدار المعلومات المغلق
على الرغم من القيود، لم تكن بغداد بالنسبة إلينا مجرد ساحة لنقل البيانات الرسمية. فمن خلال شبكة العلاقات التي بنيناها، استطعنا الوصول إلى معلومات ولقاءات حصرية من داخل المشهد السياسي العراقي.
حصلنا على خطابات للرئيس صدام حسين في ثلاث مناسبات مهمة ومفصلية من مسار الصراع بين بغداد وواشنطن، قبل عرضها في وسائل الإعلام العراقية الرسمية.
كما حققنا تغطية حصرية لوصول الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان إلى أحد المطارات العسكرية العراقية، وزرنا قواعد جوية في مناطق حظر الطيران، وغطينا انطلاق الطائرات الحربية العراقية في تحديها للحظر المفروض على البلاد.
وفي المجال السياسي، أجرينا لقاءات حصرية مع كبار المسؤولين العراقيين، من بينها لقاءات في أعقاب محاولة اغتيال محمد حمزة الزبيدي، أحد أبرز مسؤولي حزب البعث ورئيس الوزراء العراقي الأسبق. كما تمكنا من إجراء أول لقاء مع عدي صدام حسين بعد محاولة اغتياله، في أول ظهور إعلامي له عقب الحادثة.
لم تكن هذه الحصريات مجرد سباق للحصول على سبق صحفي، بل كانت مؤشراً على قدرة الجزيرة على إيجاد موقع مختلف داخل بيئة إعلامية مغلقة، والوصول إلى قلب الأحداث رغم القيود المفروضة على عملها.
وفي تلك السنوات، كانت CNN وغيرها من المؤسسات الإعلامية الغربية تتمتع بحضور مؤثر في تغطية الأحداث داخل بغداد. لكن مع اتساع عمل الجزيرة في العراق، تغير المشهد تدريجياً؛ فلم تعد القناة مجرد متابع لما تنقله وسائل الإعلام الغربية، بل أصبحت مصدراً للمعلومات والتغطيات الميدانية التي تستفيد منها مؤسسات دولية كبرى، ومنها شبكة CBS.
كان ذلك تحولاً مهماً في موقع الإعلام العربي، من مستهلك للمعلومات إلى منتج لها ومصدر تعتمد عليه مؤسسات إعلامية عالمية.
الجزيرة تدخل البيوت العراقية من شاشة تلفزيون الشباب
ومن المفارقات اللافتة في تلك المرحلة أن المواطن العراقي كان محروماً من مشاهدة القنوات الفضائية العربية والأجنبية بسبب حظر أجهزة استقبال البث الفضائي، فلم يكن بمقدوره متابعة الجزيرة مباشرة أو الاطلاع على ما تقدمه من تغطيات.
لكن تقاريري للجزيرة كانت تجد طريقها إلى البيوت العراقية عبر شاشة تلفزيون الشباب، المملوك لعدي صدام حسين، الذي كان يعيد بثها ضمن برامجه. ويبدو أن القائمين عليه وجدوا في تلك التقارير نمطاً صحفياً مختلفاً وغير مألوف، فكانوا يبثونها، لكن بعد حذف بعض الفقرات الصوتية والمقاطع التي تتعارض مع رواية النظام.
وهكذا، وعلى الرغم من أن المواطن لم يكن يستطيع مشاهدة الجزيرة مباشرة، كانت تقاريرها تصل إليه عبر شاشة التلفزيون المحلي. وبمرور الوقت، أصبحت معروفاً لدى شرائح واسعة من العراقيين، بل لدى كل بيت عراقي تقريباً، من خلال تلك التقارير التي كان تلفزيون الشباب يعيد بثها بعد إخضاعها للرقابة.
صوت المواطن.. والحقيقة التي لم يكن يستطيع قولها
ربما كان نقل صوت المواطن العراقي من أصعب المهام. فالرقابة لم تكن تقتصر على الصحفي، بل امتدت إلى المواطن نفسه، الذي كان يدرك أن التعبير العفوي عن رأيه قد تكون له تبعات لا يرغب في تحملها.
كان الناس يتحدثون بحذر ويختارون كلماتهم بعناية، لذلك لم يكن دور المراسل يقتصر على تسجيل التصريحات، بل كان يتطلب فهم دلالات الصمت والتردد والابتسامة المتحفظة، من دون أن يفرض على الناس مواقف لم يعبّروا عنها.
وكانت هذه التجربة تضعني أمام معادلة دقيقة بين الانتماء إلى الوطن والالتزام بأخلاقيات المهنة. فالوطن ليس هو السلطة، والانتماء إليه لا يعني تبني خطابها أو ترديد روايتها. كما أن المهنية لا تعني تجاهل معاناة المجتمع، بل نقل الحقيقة بمسؤولية ودقة وموضوعية.
ثلاثون عاماً.. وذاكرة لا تغيب
عندما نستعيد تجربة الجزيرة بعد ثلاثين عاماً على انطلاقتها، فإننا نستحضر مرحلة شهد فيها الإعلام العربي تحولات عميقة، وبدأ فيها المشاهد يتطلع إلى معرفة ما وراء الخطاب الرسمي وسماع أصوات مختلفة.
أما بالنسبة إليّ، فإن بغداد بين عامي 1996 و2003 ستظل شاهداً على معنى العمل الصحفي في ظل الرقابة، وعلى أهمية امتلاك المراسل أدوات مهنية تتجاوز مجرد الوقوف أمام الكاميرا وقراءة الخبر.
لكن أكثر ما بقي عالقاً في ذاكرتي من تلك السنوات ليس موقفاً أمنياً أو سبقاً صحفياً أو لقاءً حصرياً، بل مشهد إنساني بسيط يكشف حجم التحول الذي أحدثته الجزيرة في علاقة العراقيين بالإعلام.
فالمواطن العراقي الذي اعتاد سماع لغة الخطاب الرسمي، ولم يألف أن يسمع صحفياً عراقياً يتحدث بلغة إعلامية مختلفة، كان ينظر إليّ أحياناً باعتباري صحفياً عربياً موفداً إلى بغداد، لا صحفياً عراقياً من أبناء البلد.
وكان بعض العراقيين، عندما يلتقون بي في فندق الرشيد، يدعونني إلى ترك الفندق واستئجار أحد الدور التابعة لهم، ظناً منهم أنني غريب عن المدينة، وأنني صحفي عربي جاء في مهمة إلى بغداد!
كانت تلك المفارقة تختصر الكثير؛ فقد اعتاد المواطن العراقي أن يرى الصحفي يتحدث بلغة السلطة، حتى أصبح من الصعب عليه أن يتصور وجود صحفي عراقي يقدم رواية مختلفة، وينقل ما يراه ويسمعه خارج القوالب الإعلامية المألوفة.
وربما كان التحدي الأكبر آنذاك ليس في إقناع السلطة بأن هناك رواية أخرى، بل في إقناع المواطن نفسه بأن من حقه أن يسمعها.
ثلاثون عاماً مرت على انطلاقة الجزيرة، لكن ذاكرة تلك السنوات في بغداد لا تزال حاضرة؛ ذاكرة مدينة كانت محاصرة بالرواية الواحدة، وصحفيين حاولوا، وسط القيود والمخاطر، أن يفتحوا نافذة على واقع مختلف.
وفي نهاية المطاف، تبقى قيمة الصحافة في قدرتها على كسر احتكار الحقيقة وإتاحة المجال أمام الناس لرؤية ما وراء الخطاب الرسمي. أما أجمل ما يمكن أن يتركه المراسل بعد سنوات من العمل في الميدان، فليس عدد الحصريات التي حققها، بل أن يتذكره الناس باعتباره صوتاً حاول أن ينقل حكايتهم في زمن لم يكن الكلام فيه أمراً سهلاً.