الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
ما رضا بجزة رضا بجزة وخروف

← بواسطة azzaman

ما رضا بجزة رضا بجزة وخروف

مصطفى عبيد دفاك

 

حين يمر الاقتصاد العراقي بمخاض عسير، وتخرج علينا الحكومة بوجه عبوس وصوت مخنوق وهي تلوح بورقة «العجز المالي المرعب»، يتبادر إلى ذهن المواطن المسكين ذلك المشهد العثماني العتيق؛ مشهد الوالي الذي فرض «جزة صوف» واحدة لكل عشرة رؤوس غنم، فتذمر الناس، ليأتي والي أشد قسوة فيضاعفها ويجعلها «جزة وخروف». وكأن قدر هذا الشعب أن يتحول كل احتجاج له على ضائقة، إلى ورطة أكبر، وكل محاولة لتقشف حكومي إلى كرنفال من العبث الإداري. في العرف الحكومي العراقي، «الجزة» الأولى تتمثل في التفكير بجعل الرواتب كل 45 يوم او الادخار الاجباري الذي ضاع بين }كومة{ ماضاع الادخارات أو الاقتراض الذي نخر الخزينة والخروج بحل رفع سعر بيع الدولار  وإطلاق صفارات الإنذار بشأن شح السيولة وصعوبة تصدير النفط. هنا يبتلع المواطن ريقه ويشد حزام الصبر، قادماً على أمل أن تمر الأزمة. لكن، وما إن تختنق الازمة تماما تتنفس الحكومة الصعداء قليلاً، حتى تظهر العبقرية السياسية في تدوير الأزمات، لتطبّق بالحرف الواحد مقولة: « الما رضا بجزة.. رضا بجزة وخروف». فبدلاً من ترشيق الإنفاق ومحاربة الهدر، تفتق الوعي الحكومي عن حلول عبقرية لـ «سد العجز» تقوم على المحاصصة وتفريخ المناصب. فجأة، تتسع الكابينة الوزارية، ولا يكتفي الساسة بوزارات الخدمات التقليدية، بل يقررون مواكبة «العصر الحديث» ودخول عالم التكنولوجيا من أوسع أبوابه عبر استحداث «وزارة للذكاء الاصطناعي»! وهنا تقف العقلية العراقية عاجزة عن الضحك أم البكاء. فبأي «ذكاء اصطناعي» ستعمل هذه الوزارة، والبلد لا زالت معاملاته تدار الاضبارة والورق والكاربون؟ هل سيتم استخدام الخوارزميات الذكية لتوليد الميزانيات التبخرية؟ أم أن الوزير الجديد ومستشاريه سيعتمدون على «الشبكات العصبية الاصطناعية» لابتكار طرق جديدة لتعيين الأقارب والأنساب؟! إن المواطن الذي كان يترقب بصبر حلولاً لأزمته المعيشية والخدمية، تفاجأ بأن «الجزة» المالية تحولت إلى فيل من الترهل الإداري نواب لرئيس الوزراء ،  جيش من المستشارين، وكلاء وزارات بلا مهام، وهيئات مستحدثة، «وزارة ذكاء اصطناعي» تلتهم المليارات على شكل رواتب ومخصصات وحمايات، بينما «الذكاء» الوحيد المتوفر فيها هو كيفية ابتلاع ما تبقى من خزينة الدولة! ولا يكتفي الساسة بوزارات الخدمات التقليدية، بل يقررون مباغتة العالم بـ استحداث «وزارة للسياحة» في بلدٍ يرتجف فيه السائح لمجرد سماع اسمه في نشرات الأخبار! وهنا تقف العقلية الاقتصادية حائرة أمام هذا الإبداع اللامحدود؛ فعن أي سياحة يتحدثون؟ هل سيتم الترويج لبرامج «سياحة المغامرات والإثارة» حيث يُمنح السائح فرصة ذهبية لتجنب الحفر في الشوارع، أو الهروب من طلقات طائشة في نزاع عشائري، أو تجربة الركض الحر تفادياً لسقوط سقف متروك منذ العهد الملكي؟ أم أن الوزير الجديد سيفتتح «موسم الهجرة إلى المهجر» لجذب سياح يبحثون عن الإثارة المطلقة وسط غياب أبسط مقومات البنى التحتية، حيث الفنادق تنافس بيوت الأشباح، والكهرباء تقطع لدواعي «الرومانسية المظلمة»؟ هكذا يظل العراقي عالقاً بين عجز مالي حقيقي، وابتكار سياسيي ساخر يفرخ وزارات لا فائدة منها سوى زيادة النزيف. وكما ختم أجدادنا قصتهم مع ضريبة الوالي، يرفع المواطن يديه اليوم للسماء، متمتماً بمرارة ساخرة: «ما رضينا بالعجز.. صرنا بعجز، ومناصب، ووزارة ذكاء اصطناعي تدير العتمة باحتراف!»

 


مشاهدات 104
الكاتب مصطفى عبيد دفاك
أضيف 2026/10/31 - 1:49 AM
آخر تحديث 2026/11/01 - 5:00 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 491 الشهر 491 الكلي 16651025
الوقت الآن
الأحد 2026/11/1 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير