أمسية في ديوان الشذر
سعد العبيدي
من العمارة، مدينة الماء والقصب والتعميد في المياه الجارية، حيث تمتد المندائية عميقًا في ذاكرة العراق ودياناته القديمة، تنحدر جذور الدكتور سعدي الشذر، ثم تمتد سيرته إلى بغداد، المدينة التي ولد فيها وشبَّ وتفتحت أمامه أبواب الحياة والثقافة. ومنها مدَّ، قبل عقود، خيطًا من تلك الجذور إلى لندن، المدينة المفتوحة على الأديان والأقوام والثقافات، فأقام في بيته العامر، على تقاليد أهل العراق الأوائل، مضيفًا أو ديوانًا؛ مكانًا للثقافة والتراث واللقاء، لا يحتاج الداخل إليه إلى أكثر من حنين إلى العراق. تخوتٌ تمتد على جوانب المكان، ووجوه عراقية وعربية تتقارب، وحديث يستعيد الماضي، ويتصل بالحاضر. هنا تُعقد الندوات والمحاضرات، وهنا يجد الأدباء والمثقفون مكانًا للكلام، ويجد القادمون فيه ما يشبع حنينهم إلى الجذور، ويقرّب إليهم عراقًا أبعدته المسافات.
في أمسية الأمس، ضاق الديوان بمحبيه، فدخلت الكراسي إلى وسطه لتفسح مكانًا لمزيد من الحضور. كانت الأديبة الفلسطينية الشابة نسب أديب حسين تتحدث عن الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي على الهوية الثقافية للقدس، فأبدعت في موضوعها، وكان الشذر، كعادته، يترك لمساته في التقديم وإدارة الأمسية، ثم يتوارى قليلًا ليترك المنصة للضيوف. وحين انتهى الكلام، بقيّ العراق حاضرًا بطريقة أخرى. على المائدة أطباق عراقية من البامية والسمك والدجاج والرز وكعادته لم ينس طبقه المفضل «المحروگ إصبعه»، وروائح تختصر مسافات طويلة بين لندن وبغداد والعمارة. لم يكن العشاء خاتمة أمسية فحسب؛ كان امتدادًا لذلك الديوان وما أراده الشذر منه: أن يبقى شيء من العراق حيًّا خارج حدوده.
ثمة أناس يغادرون أوطانهم، وثمة من يحملون قطعة منها معهم ويهيئون لها مكانًا في الغربة. وديوان الشذر واحد من تلك الأمكنة.