الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
أُمّي

← بواسطة azzaman

أُمّي

حسن النواب

 

في مثل هذا اليوم من عام 2002، جاءني النبأ في الأردن كطعنةٍ باردة: أمي ماتت بنوبةٍ قلبية، وهي تزور مرقد الإمام الحسين عليه السلام. كنتُ حينها لاجئاً، قبلتني المفوضية السامية بعد ستة أشهر من وصولي، ثم انخرطت في صفوف المعارضة العراقية، فصدر قرار فصلي من مجلة «ألف باء» التي أعمل فيها محرراً على الملاك الدائم. كنت أتمنى أن أكون حاضراً هناك لأعانق جثمانها الزكي، وأحمل نعشها على كتفي مع شقيقيَّ علي وزهير، لكني أعرف أن عودتي لتشييعها تعني اعتقالي، فتكون الفجيعة فجيعتين على أهلي. وعلمت أن أصدقائي وزملائي من الصحفيين والأدباء في كربلاء تجنبوا حضور مأتمها خشية المساءلة والاستجواب، وقد عذرتهم، فالخوف يومها كان سوطاً يطرق كل باب. لكنَّ الذي لا يفارق ذاكرتي ما أخبرني به أخي علي الذي رحل هو الآخر قبل عامين: كانت تضع صورتك في يدها قبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة.

واليوم، في مهجري البعيد، أستعيد شريط كفاح أمي.

أمي الكادحة، التي شدّت حزامها على بطنها لتعين والدي على ضنك العيش، فعملت في مكبس التمور، يدها تقطر دبساً وتعباً، ثم عاملةً في مدرسة، حتى أناخها المرض وأحالها إلى التقاعد.

أذكر في معركة شرق البصرة عام 1982، وكان شهر رمضان، حين سُحقت الفرقة التاسعة المدرعة في ذلك الهجوم الإيراني. كنت في كتيبة دبابات الكندي، وتعرضت دبابتي إلى إصابة مباشرة، فنجوت من الحديد المحترق كما يخرج الجنين من النار، نجوت بدعاء أمي الذي كان درعي الوحيد. تملصت من البصرة إلى كربلاء، بملابس موحلة تفوح برائحة البارود ودخان المعركة، كأنها كفن مؤجل.

في الليل، كنت أستمع من المذياع إلى أسماء جنود كتيبة دبابات الكندي الذين أُسروا، فحاصر القلق قلب أمي، كان قلبها كرحى لا تكفّ عن النشيج. وحين علمت أني سأعود إلى البصرة، انهمر الدمع على وجهها الشاحب، كسيلٍ حار على أرضٍ متعبة. طلبت منها ألا تغسل ملابسي، حتى لا يشم ضابط أمن الكتيبة رائحة هروبي من أرض المعركة.

وفي الحافلة التي كانت تنتظر أن تمتلئ مقاعدها، فوجئت بصعودها. جاءت وقد أخذ الحزن من وجهها كل ضوء، كشمعة صهرتها النار فلم يبق فيها إلا بقايا الفتيل. اقتربت مني تتوسل أن أعود إلى البيت، ولما يئست مني، انتخت بالركاب، تستحلفهم بكل عزيز لديهم أن يقنعوني بالبقاء. كانت العبرات تسيح على وجهها الذابل، فأبكت الجميع، صارت الحافلة كلها مأتماً صغيراً.

نهضت وسألتها:

- إذا عدت معكِ، أين أختبئ منهم؟

قالت دون تردد، بكل يقين الأمومة:

- في صدري.

حينها انزلقت دمعة يتيمة، حارة كجمرة، على خدي وقلت:

- سينسفونَ صدرك يا أمي.

ظلت واقفة تتأملني بعينين مخضبتين بالدمع، كأنها تودعني للمرة الأخيرة، تحفر وجهي في ذاكرتها، ثم نزلت من الحافلة قانطة، تجر خيبتها كحبل من مسد.

فأجهشت بالبكاء، مثلما أبكيها اليوم، كأن الحافلة لم تتحرك بعد.

* نواصل كتابة حلقات تطواف الغريب في الأسبوع القادم.

 


مشاهدات 21
الكاتب حسن النواب
أضيف 2026/10/05 - 2:29 PM
آخر تحديث 2026/10/06 - 3:06 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 373 الشهر 8912 الكلي 16594081
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/10/6 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير