السردية العراقية الغائبة عن العالم
العلاء صلاح عادل
في السياسة الدولية الحديثة، لم تعد قوة الدولة تُقاس بما تمتلكه من ثروات وموارد أو بما تعقده من اتفاقيات فقط، بل بقدرتها على بناء سرديتها الوطنية وتسويقها وإقناع العالم بها. فالدول اليوم لا تكتفي بصناعة الحدث، وإنما تسعى إلى صناعة تفسيره أيضًا، ومن لا يقدّم روايته للعالم سيجد الآخرين يروون قصته عنه بالطريقة التي تخدم مصالحهم وتصوراتهم. وهنا تبرز مشكلة عراقية تستحق الوقوف عندها: أين السردية العراقية الموجهة إلى الخارج؟ ومن يتولى بناءها وتسويقها دوليًا؟ فمن الصعب أن نلمس حضورًا خارجيًا مؤثرًا ومستمرًا لوزارة الخارجية العراقية في تسويق الرواية العراقية تجاه القضايا الكبرى التي تمس البلد. ولا يعني ذلك غياب النشاط الدبلوماسي أو الاجتماعات والزيارات والبيانات الرسمية، وإنما الحديث عن مستوى آخر من العمل الدبلوماسي يتعلق بالقدرة على تحويل موقف العراق ومصالحه وقصته إلى خطاب دولي منظم يصل إلى الحكومات ووسائل الإعلام ومراكز الأبحاث والجامعات والنخب والرأي العام في الدول الأخرى. فالدبلوماسية في عصر الاتصال لم تعد اجتماعًا مغلقًا بين وزيرين أو بيانًا رسميًا يصدر عقب لقاء، بل أصبحت معركة يومية على الصورة والمعنى والرواية. وعند النظر إلى دول إقليمية مثل إيران والسعودية، وحتى مصر، نجد اهتمامًا أكبر ببناء حضورها السياسي والإعلامي والثقافي في الخارج، رغم اختلاف الأدوات والأهداف والنتائج من دولة إلى أخرى. فهذه الدول تدرك أن السياسة الخارجية لا تتحرك داخل السفارات وحدها، وإنما في الصحف والقنوات والمنصات الرقمية ومراكز الدراسات والجامعات والمؤتمرات والنخب المؤثرة. أما العراق، فعلى الرغم من انفتاحه الواسع على العالم خلال السنوات الأخيرة، ما زال حضوره الاتصالي الخارجي أقل من حجم الدولة وإمكاناتها وموقعها. والمفارقة أن العراق يمتلك مادة استثنائية لبناء سردية وطنية قوية؛ فهو بلد ذو عمق حضاري يمتد آلاف السنين، وموقع جيوسياسي بالغ الأهمية، وثروات كبيرة، وثقل سكاني واقتصادي، وتجربة معقدة في مواجهة الإرهاب وإعادة بناء مؤسسات الدولة، فضلًا عن تنوع ثقافي وديني واجتماعي يمكن أن يشكل عنصر قوة ناعمة هائلًا. لكن امتلاك القصة شيء والقدرة على روايتها شيء آخر. حين تقع أزمة تتعلق بالعراق أو تنتشر رواية خارجية تمس صورته أو مصالحه، لا يكفي إصدار بيان باللغة العربية ووضعه على موقع رسمي أو صفحة في وسائل التواصل الاجتماعي، بل ينبغي أن تكون هناك ماكينة دبلوماسية وإعلامية تتحرك سريعًا بلغات متعددة، وتصل إلى الصحفيين والمؤسسات الإعلامية ومراكز التفكير والباحثين وصناع القرار، وتقدم الموقف العراقي بوضوح وحجج ومعلومات وبيانات. فمقال لمسؤول عراقي في صحيفة دولية مؤثرة، أو مقابلة مدروسة في قناة عالمية، أو إحاطة للصحفيين الأجانب، أو ورقة معلومات تصل إلى مراكز الدراسات، قد تكون أحيانًا أكثر تأثيرًا من عشرات البيانات التقليدية. المشكلة، إذن، ليست في غياب الأخبار عن نشاط الخارجية، بل في غياب مشروع واضح ومستمر لبناء السردية العراقية الخارجية. ما الصورة التي نريد أن يحملها العالم عن العراق خلال السنوات العشر المقبلة؟ هل يبقى العراق في المخيال الدولي بلد الحروب والإرهاب والأزمات؟ أم نقدمه دولة محورية تربط الخليج ببلاد الشام وتركيا وإيران؟ هل نقدمه مركزًا للطاقة والاستثمار والتجارة؟ أم موطنًا لإحدى أقدم الحضارات الإنسانية؟ أم دولة استعادت قدرتها على لعب دور إقليمي متوازن؟ يستطيع العراق أن يجمع هذه العناصر كلها داخل سردية وطنية واحدة، لكنه يحتاج أولًا إلى مؤسسة تعرف ماذا تريد أن تقول، ولمن تقول، وكيف تقول. والسردية الوطنية لا تعني الدعاية أو تزييف الواقع، بل تعني تقديم الواقع العراقي بكامل أبعاده وعدم السماح باختزال البلد في أزماته. العراق يعاني بالفعل من مشكلات سياسية واقتصادية وخدمية، لكن العراق ليس هذه المشكلات وحدها. ولهذا نحتاج إلى انتقال حقيقي من الدبلوماسية التقليدية إلى الدبلوماسية العامة والرقمية والاتصال الاستراتيجي، عبر جهاز متخصص داخل وزارة الخارجية يعمل فيه الدبلوماسي إلى جانب الصحفي والمتخصص في العلاقات العامة والاتصال الدولي وتحليل البيانات واللغات والمنصات الرقمية، تكون مهمته متابعة صورة العراق في الإعلام العالمي، ورصد السرديات المتداولة عنه، وتصحيح المعلومات المضللة، وإنتاج محتوى بلغات مختلفة، وإعداد رسائل استراتيجية للسفارات، وبناء علاقات دائمة مع وسائل الإعلام ومراكز الدراسات والجامعات والمؤسسات الثقافية الدولية. كما ينبغي ألا تعمل السفارات العراقية بمنطق واحد؛ فما يحتاجه الخطاب العراقي في واشنطن يختلف عما يحتاجه في لندن أو باريس أو برلين أو بكين أو الرياض أو القاهرة، لأن الدبلوماسية العامة تبدأ بفهم الجمهور الذي نتحدث إليه، لا بترجمة البيان نفسه وإرساله إلى الجميع. كذلك فإن بناء السردية العراقية ليس مسؤولية وزارة الخارجية وحدها، بل مشروع دولة تشترك فيه وزارات الثقافة والسياحة والتعليم العالي والتجارة والنفط والمؤسسات الإعلامية والجامعات ومراكز البحوث والسفارات والجاليات والكفاءات العراقية في الخارج، على أن تكون الخارجية مركز التنسيق الذي يحول هذه العناصر المتفرقة إلى خطاب دولي متماسك. العراق لا يعاني من نقص القصص التي يمكن أن يرويها للعالم، بل من ضعف القدرة على جمعها وصياغتها وتسويقها. لدينا حضارة وموقع وثروات ومدن تاريخية ودينية وثقافة وفنون وأدب وطاقات بشرية وتجارب تستحق أن يعرفها العالم، لكن هذه العناصر لا تتحول تلقائيًا إلى قوة ناعمة ما لم توجد دولة تعرف كيف تستثمرها. لذلك فإن تقييم أداء السياسة الخارجية لا ينبغي أن يقتصر على عدد الزيارات والاجتماعات والاتفاقيات والسفارات، بل يجب أن يشمل سؤالًا أكثر أهمية: ماذا يعرف العالم عن العراق نتيجة عمل الدبلوماسية العراقية؟ وكم من الرواية العراقية يصل إلى الإعلام والنخب والرأي العام الدولي؟ فالدبلوماسية الناجحة لا تكتفي بأن يكون للعراق موقف، بل تجعل الآخرين يعرفون لماذا اتخذ هذا الموقف، ولا تكتفي بأن تكون للعراق قصة، بل تضمن أن تصل هذه القصة إلى العالم. لأن الدولة التي لا تبني سرديتها وتسوقها بنفسها، ستجد الآخرين يبنون سرديتها عنها، وعندها قد تمتلك الحقيقة لكنها تخسر الرواية.