إهمال الجانب الإداري للحسابات المنطقية يخرج العراق من منافسات الخليج
النجف - نجم عبد كريدي
مرة أخرى نقع في المحظور، ومرة أخرى نغادر بطولة الخليج من الباب الذي كان بالإمكان أن يفتح لنا طريق التأهل بسهولة، لكننا أبينا إلا أن نعقّد الأمور بأيدينا، ونحوّل ما كان في متناولنا إلى خروج مؤلم ومخزٍ لا يليق بتاريخ الكرة العراقية.
الخروج من خليجي 27 لم يكن نتيجة قوة استثنائية للمنتخبات الأخرى، بقدر ما كان نتيجة أخطاء عراقية متراكمة، فنية وانضباطية وإدارية، اجتمعت في توقيت واحد لتضع منتخبنا خارج البطولة، رغم أن بطاقة التأهل كانت قريبة جداً منه.
مدرب بلا استقرار.. وتشكيلة تتغير في كل مباراة!!
اول الاسئلة
أول الأسئلة التي يجب أن تُطرح: كيف يمكن لمنتخب يريد المنافسة على لقب أن يبحث عن الاستقرار وهو يغيّر تشكيلته وطريقته في اللعب من مباراة إلى أخرى؟؟!!
الاستقرار الفني ليس ترفاً في كرة القدم، بل هو أحد أهم مقومات بناء المنتخب. اللاعب يحتاج إلى أن يعرف واجباته، وزميله يحتاج إلى معرفة تحركاته، والمدرب يحتاج إلى منظومة واضحة تتطور من مباراة إلى أخرى.
أما أن ندخل كل مباراة بتشكيلة وطريقة مختلفة، فهذا يعني أننا نعيد البناء في كل مرة، ونطلب من اللاعبين أن يتأقلموا تحت ضغط المنافسة.
وهنا لا بد من القول بصراحة: غراهام لم ينجح في منح المنتخب شخصية فنية مستقرة ومقنعة.
والأغرب من ذلك أن المدرب يستدعي اللاعب مصطفى قابيل من صربيا، قادماً من معسكر المنتخب الأولمبي، ثم لا يشركه في المباراة التي كان المنتخب بأمسّ الحاجة فيها إلى خيارات إضافية!!
وفي المقابل، يبقى قوقية خارج التشكيلة ثم يُدفع به في اللحظات الأخيرة، رغم أنه كان أساسياً في جميع مباريات المنتخب العراقي!! بل الاغرب من ذلك ان قوقية لم يكن ضمن خيارات المدرب اساسا ثم يتم ضمه للمنتخب فيما بعد عند ابعاد بسام شاكر بسبب مشكلة في جواز سفره ليتم منح قوقية رقم 10 واشراكه أساسيا!!!
هذه قرارات تفتح باب التساؤل عن فلسفة الاختيار والتبديل وإدارة المباراة.
ثمانية إنذارات.. بالمجان!!
الجانب الانضباطي كان كارثياً أيضاً.
ثمانية من لاعبينا حصلوا على بطاقات صفراء: إبراهيم بايش ، أيمن حسين، زيد تحسين، كرار نبيل، محمد قاسم، أمير العماري، أحمد قاسم ويوسف نصراوي.
البطاقة في كرة القدم ليست مجرد ورقة صفراء تُرفع في الهواء، بل قد تتحول إلى عامل حاسم في تحديد المتأهل، خصوصاً في بطولة تُحسم فيها المراكز أحياناً بفوارق دقيقة جداً.
وهنا يصبح السؤال مشروعاً:
أين كانت توجيهات الجهاز الفني والإداري للاعبين؟
وهل كان اللاعبون يعرفون قبل المباراة، وخلالها، أن عدد البطاقات قد يدخل في حسابات التأهل؟
مهزلة لا تُصدق
خرجنا من البطولة ولاعبونا لا يعلمون!!
ولعل أكثر ما يؤلم في قصة خروجنا من خليجي 27 ليس فقط ضياع التأهل، وإنما الطريقة التي حدث بها ذلك.
انتهت مباراة العراق، وكانت مباراة عُمان في الملعب الآخر مرتبطة بشكل مباشر بحسابات التأهل، ومع ذلك بدا أن لاعبي منتخبنا لم يكونوا على معرفة كاملة بما يجري من حسابات ونتائج وبطاقات.
بل إن الصورة الأكثر غرابة أن مدرباً يقود منتخباً في بطولة رسمية لم يكن يعرف نتيجة مباراة عُمان خلال شوط كامل!!
كيف يحدث ذلك؟
وأين الجهاز الإداري؟
أين المتابعة اللحظية للمباراة الأخرى؟
أين شاشة اللابتوب أو وسيلة الاتصال التي تنقل النتيجة والبطاقات وكل ما يتعلق بحسابات المجموعة؟
هذه ليست تفاصيل ثانوية، وإنما جزء أصيل من العمل الاحترافي في البطولات التي تُحسم فيها الأمور بفوارق صغيرة.
متابعة عمان
المفارقة أن الجانب العُماني كان يتابع مباراة العراق لحظة بلحظة، ويعرف ما يجري في ملعب المباراة الأخرى، بينما كانت الصورة لدينا مختلفة تماماً.
وبعد نهاية المباراتين والتساوي في كل شيء، نزل رئيس اتحاد كأس الخليج جاسم الرميحي إلى أرض الملعب، وأبلغ إداريي المنتخبين العراقي والعُماني بأن كل شيء أصبح متساوياً، وأن اللجوء إلى القرعة بات هو الفيصل.
أي أن هناك من كان يتابع ويدرك الحسابات ويعرف ما الذي يحدث، بينما نحن وصلنا إلى اللحظة الحاسمة وسط ارتباك واضح!!
هذه ليست مسؤولية لاعب واحد، ولا يمكن اختزالها في خطأ فردي.
إنها مسؤولية منظومة كاملة.
لقطة لا تُصدق.. هدف عُمان وبطاقة صفراء!!
والأغرب من كل ذلك أن عُمان كانت تحتاج إلى هدف واحد فقط لتتعادل معنا في النقاط، وكانت حسابات التأهل ستدخل في تفاصيل البطاقات والأهداف.
وعندما سجلت عُمان هدفها الثالث، جاءت اللقطة التي تختصر غرابة ما حدث.
صاحب الهدف مصعب الشقصي احتفل بخلع قميصه، فحصل على بطاقة صفراء!!
وهكذا تغيّرت الحسابات، وتساوى المنتخبان في المعايير التي كانت مطلوبة، لتصل الأمور إلى القرعة.
لقطة ربما يندم عليها اللاعب العُماني طويلاً، لكنها في الوقت نفسه كشفت مدى أهمية التفاصيل الصغيرة في كرة القدم الحديثة.
*لا تجعلوا الكويت شماعة!!
وبعد الخروج، بدأت شماعة جديدة تظهر: الكويت باعت المباراة!!
ولنفترض جدلاً أن هذا الكلام صحيح، وهو ادعاء يحتاج إلى دليل وليس إلى مجرد كلام متداول.
لكن السؤال الأهم: ماذا فعل منتخبنا؟
إذا كانت الكويت قد قصّرت أو لم تلعب لمصلحتنا، فأين المشكلة؟
كان بإمكاننا أن نفوز.
وكان بإمكاننا أن نتعادل.
وكان بإمكاننا على الأقل أن نسجل هدفاً.
كرة القدم لا تمنح بطاقة التأهل لمن ينتظر هدايا الآخرين.
من يريد التأهل عليه أن ينتزع التأهل بقدميه، لا أن ينتظر نتائج الآخرين.
فوزنا الوحيد جاء على الكويت، التي وُصفت بأنها الأضعف في البطولة، بينما لم ننجح في بناء رصيد كافٍ يحسم لنا بطاقة العبور بعيداً عن حسابات الآخرين.
*أربعة مدربين
ومن اللافت أن مدربي المنتخبات التي بلغت نصف النهائي كانوا قادرين على إيصال فرقهم إلى الدور الحاسم: الإمارات، السعودية، قطر وعُمان.
وهنا تظهر قيمة الاستقرار والوضوح الفني وإدارة المباريات والقدرة على التعامل مع التفاصيل.
ومن الناحية الفنية، بدا مدرب السعودية جورجيس المدرب اليوناني متفوقاً على مدربنا في تفاصيل عديدة تتعلق بقراءة المباراة والتنظيم والتعامل مع مجرياتها.
ولو أننا واجهنا الإمارات في الدور التالي، فإن الفوارق الفنية التي ظهرت في البطولة كانت ستجعل المهمة العراقية شديدة الصعوبة، وربما تلقينا عدداً كبيراً من الأهداف إذا استمر المنتخب بالطريقة نفسها.
الثواب والعقاب
إذا كان اللاعبون والجهاز الفني والإداري قد حصلوا على مكافآت مجزية عندما يحققون النتائج، فمن الطبيعي أن يكون هناك أيضاً مبدأ آخر اسمه الثواب والعقاب.
هذا ليس انتقاماً من اللاعبين، ولا تصفية حسابات معهم، وإنما هو مبدأ إداري ورياضي معمول به في كل المؤسسات التي تريد تحقيق النجاح.
من يتحمل المسؤولية عن الأخطاء يجب أن يتحمل نتائجها.
ومن يثبت أنه غير مؤهل أو غير قادر على تحمل مسؤولية ارتداء قميص المنتخب، يجب ألا يكون وجوده محسوماً ومضموناً في كل مرة.
ولذلك فإن الحديث عن ضرورة إبعاد نسبة كبيرة من العناصر التي لم تثبت أهليتها الفنية والانضباطية ليس موجهاً ضد أسماء بعينها، وإنما هو دعوة إلى إعادة تقييم حقيقية للمنتخب، بعيداً عن المجاملات والمحسوبيات.
والمشكلة ليست في «المحلي والمغترب»!
والأكثر إزعاجاً أن بعض الأصوات الإعلامية
ستعود بعد الخروج إلى الاسطوانة نفسها:
المحلي أم المغترب؟
وكأن كرة القدم العراقية لا تعرف مشكلة أخرى!
المهزلة الحقيقية ليست في جنسية اللاعب أو مكان إقامته.
المعيار يجب أن يكون واحداً:
من هو الأفضل والأكثر جاهزية وانضباطاً وقدرة على خدمة المنتخب؟
لا يهم أين يلعب اللاعب، ولا من أي دولة جاء، ولا أين وُلد.
المهم ماذا يقدم داخل الملعب، ومدى التزامه، ومدى تحمله للمسؤولية.
*منتخب العراق لا يحتاج إلى شماعات.. بل إلى مراجعة!!
الخروج من خليجي 27 يجب ألا يتحول إلى معركة لتبادل الاتهامات،
ولا يجوز أن نعلّق كل شيء على الكويت، أو الحظ، أو القرعة، أو هدف عُمان، أو بطاقة لاعب عُماني خلع قميصه.
كل هذه تفاصيل دخلت في الحسابات، نعم، لكنها لم تكن وحدها سبب خروجنا.
السبب الأعمق هو أننا أضعنا فرصة كانت بين أيدينا.
مدرب غير مستقر.
تشكيلات متغيرة.
خيارات فنية تحتاج إلى تفسير.
بطاقات صفراء بالجملة.
لاعبون يجهلون الكثير ولم يكونوا يعرفون أهمية التفاصيل.
جهاز إداري لم يتابع مباراة المنافس بالصورة المطلوبة.
ومنتخب ينتظر نتائج الآخرين بدلاً من أن يحسم مصيره بنفسه.
هذه هي الحقيقة التي يجب أن نتوقف عندها.
لقد خرجنا من خليجي 27، لكن الأهم ألا نخرج منه بلا درس.
فالخروج الحقيقي ليس أن نخسر بطولة، وإنما أن نخسرها ثم نكرر الأخطاء نفسها في البطولة المقبلة.
والكرة العراقية اليوم بحاجة إلى قرار واضح:
لا مكافأة بلا إنجاز، ولا استمرار بلا تقييم، ولا مكان في المنتخب إلا لمن يستحقه فنياً وانضباطياً ومسؤوليةً.
لقد كانت بطاقة التأهل أمامنا
لكننا، بكل أسف، أضعناها بأيدينا.