الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
التحولات في المناهج النقدية الأدبية 


التحولات في المناهج النقدية الأدبية 

جاسم محمد هايس

 

التحول من تأويلية الشك إلى مابعد النقد :

 

اسهمت المناهج النقدية الأدبية في النصف الثاني من القرن العشرين في إدخال آليات جديدة لقراءة الأدب ، قائمة على الشك في ماينتجه الأدباء، وماهية دوافع ومؤثرات هذا النتاج الأدبي ، فكانت الايديولوجيا والسلطة والتمثيل والخطاب حاضرة في هذه التفسيرات . إلا أن هذه المناهج لم تستطع تجاوز تاثيرات بعض الأعمال الخالدة والمؤثرة في الوجدان الانساني . نتيجة لهذا ظهرت في الفترة الأخيرة مناهج مابعد النقد ، التي تحاول الموازنة مابين فعل القراءة وقدرة الأدب على بناء المعنى. يمثل مابعد النقد حوارا فكريأ مفتوح بين الفلسفة والادب ودراسات العلوم والدراسات الثقافية . أسهم في بلورته عدد من المفكرين في مقدمتهم ريتا فيلسكي، وبرونو لاتور، وايف كوسوفسكي سيدغويك، عد هولاء أن النقد لا ينبغي أن يظل أسير نموذج واحد في القراءة، وأن الأدب يستحق أن يقرأ بوصفه تجربة إنسانية معقدة، لامجرد وثيقة تكشف عن علاقات السلطة . يهدف كتيب " ما بعد النقد من تأويلية الشك إلى قراءة تستعيد الأدب" لمؤلفة الناقد الدكتور عادل الثامري الصادر عن دار توليب إلى تعريف القارئ العربي بهذه الاتجاهات بلغة واضحة مع المحافظة على الدقة الفكرية . مبتدا بالجذور الفكرية لمابعد النقد واسسه وابرز شخصياته وعلاقتة بالتفكيكية ومستقبلة وامكاناته . أن منهج مابعد النقد يعيد فتح أسئلة جديدة، وهو ليس اعلانا لنهاية النقد، بل دعوة إلى تجديده .

 لم تعد مدرسة تأويلية الشك كافيه لتفسير ما يحدث بين النص وقارئه، رغم أنها أدت دورا مهما في كشف ماوراء النص وحضور السلطة في اللغة والابعاد الاجتماعية و السياسية في للأدب. وكان الدارس يشعر بأن كل نص يخفي أكثر مما يعلن. إلا أن الشك بدأ شيئاً فشيئا يفقد عنصر المفاجاة، وماكان صادما أصبح مالوفا واصبحت النتائج معروفة، وفي الوقت نفسه تغير العالم فجائت الثورة الرقمية وظهرت وسائل تواصل جديده وتبدلت طرائق أنتاج المعرفة وتداولها وأصبح القارئ أكثر مشاركة في صناعة المعنى وأصبح النص يعيش داخل شبكة واسعة من القراءات والتعليقات والتفاعلات. وطرح سؤال إذا كانت النظريات النقدية قد نجحت في تفسير أسباب الشك فلماذا اخفقت في تفسير اسباب الحب؟ من هنا بدأ بعض الباحثين يرى أن الشك وسيلة وليست غاية . 

أن الدعوة إلى قراءة السطح لم تكن دعوة إلى التقليل من قيمة التحليل ولا إلى تجاهل التعقيد الذي يميز النصوص الأدبية، وانما اعتراضا على فكرة أصبحت مهيمنة، وهي الاعتقاد بأن المعنى الحقيقي لايوجد أبدا على السطح ، وأن مهمة الناقد تبدأ من تجاوز مايقوله النص إلى مايظن أنه يخفيه . وقبل أن يسأل النقاد كيف نقرا الأدب؟ كان الفلاسفة يسألون سؤالا أكثر بساطة واشد تعقيدا في الوقت نفسه: كيف نفهم؟ لم يكن الأمر متعلقا بالروايات أو القصائد وحدها بل باللغة والتاريخ والدين و القانون وكل مايحتاج إلى تفسير ومن هذا السؤال ولدت التاويلية أو فلسفة التأويل التي قطعت رحلة طويلة قبل أن تفضي، بصورة غير مباشرة، إلى النقاش الذي يعرف اليوم بأسم ما بعد النقد . يمكن النظر إلى مابعد النقد بوصفه امتدادا لتاريخ التأويل أكثر من كونه ثورة عليه فهو لايرفض ما انجزته التاويلية، بل يعيد اكتشاف بعض امكانياتها التي تراجعت أمام هيمنة القراءة الأرتيابية ويعيد الاهتمام إلى العلاقة بين النص و القارئ وإلى أثر الأدب في الحياة وإلى التجربة الجمالية بوصفها جزءا من الفهم، لا عائقا امامه.

 


مشاهدات 21
الكاتب جاسم محمد هايس
أضيف 2026/09/28 - 3:43 PM
آخر تحديث 2026/09/29 - 12:28 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 40 الشهر 49150 الكلي 16581670
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/9/29 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير