غصون التميمي رحلة إقترنت بالمثابرة
كفيفة تحفظ القرآن وتدرّب أقرانها على الحاسوب
كربلاء - طيبة الموسوي
تحدّت كفيفة البصر غصون نايف ياسين التميمي٬ ظروفها القاسية٬ محوّلة فقدانها للبصر منذ الولادة إلى دافع لمواصلة التعلم والعطاء، حتى جمعت بين حفظ كتاب الله الكريم وتدريسه، والتدريب على استخدام الحاسوب وتقنيات القراءة والكتابة بطريقة برايل، فضلاً عن سعيها لإتقان اللغة الإنكليزية والاستعداد لخوض اختبار إيلتس٬ في تجربة تؤكد ان الإرادة قادرة على فتح أبواب واسعة أمام أصحاب الهمم متى اقترنت بالعلم والمثابرة. وتعمل التميمي أستاذة للحفظ في قسم دار القرآن الكريم في العتبة الحسينية، فضلاً عن كونها مدرّبة حاسوب وقراءة وكتابة بطريقة برايل للمكفوفين. وكان لها شرف ترجمة تلاوة افتتاح المؤتمر العلمي الثاني لعلماء كربلاء من العربية إلى الإنكليزية. وفي هذا الحوار مع (الزمان)، تتحدث غصون التميمي عن (تجربتها في حفظ القرآن الكريم وتدريسه، ورحلتها مع الحاسوب واللغة الإنجليزية، واحتياجات المكفوفين في العراق، وطموحاتها العلمية، فضلاً عن رسالتها إلى الشباب من أصحاب الهمم والإعلاميين وصنّاع المحتوى)
من هي غصون نايف ياسين التميمي؟
- أنا غصون نايف ياسين التميمي، عراقية من كربلاء المقدسة، كفيفة البصر منذ الولادة، وحافظة لكتاب الله وأستاذة قرآنية أعمل في قسم دار القرآن الكريم في العتبة الحسينية المقدسة، أستاذة للحفظ.
كما أعمل مدرِّبة حاسوب ومدرِّبة على القراءة والكتابة بطريقة برايل للمكفوفين، وأسعى بصورة مستمرة إلى تطوير مستواي في اللغة الإنجليزية، وأنا حالياً أستعد لاختبار إيلتس.
وأؤدي كذلك دور عريف حفل في المناسبات التي تُقام في قضاء عين التمر وكربلاء المقدسة، وكان لي شرف ترجمة تلاوة افتتاح المؤتمر العلمي الثاني لعلماء كربلاء المقدسة من العربية إلى الإنجليزية.
كيف تصفين تجربتك في تدريس القرآن الكريم في رحاب العتبة الحسينية المقدسة، وما أثرها في حياتك الشخصية والمهنية؟
معلم حقيقي
- تجربتي في تدريس القرآن الكريم في رحاب العتبة الحسينية المقدسة هي تجربة روحية وعلمية فريدة، غيّرت نظرتي إلى الحياة. كل حلقة دراسية تمثل بالنسبة لي لقاءً جديداً مع معاني الرحمة والصبر والأمل.
هذا العمل منحني توازناً بين مسؤوليتي المهنية وسموّي الروحي، وعلّمني أن المعلم الحقيقي هو من يتربى مع طلابه على مائدة القرآن، فيزداد بهم تواضعاً ومحبة، ويشعر بأن كل حرف يُتلى يترك أثراً في قلبه قبل أن يلامس قلوبهم.
ما الذي دفعك إلى الجمع بين حفظ القرآن الكريم والتعمق في اللغة الإنجليزية والعمل في مجال الحاسوب؟
- ما دفعني إلى الجمع بين حفظ القرآن الكريم والتعمق في اللغة الإنجليزية والعمل في مجال الحاسوب هو إيماني بأن خدمة كتاب الله لا تقف عند حدود الحفظ والتلاوة، وإنما تحتاج أيضاً إلى توظيف أدوات العصر.
فاللغة الإنجليزية تفتح أمامي آفاق المعرفة العالمية، وتمكّنني من الحديث عن القرآن الكريم وقيمه بلغة يفهمها الناس في مختلف البلدان، مستلهمة في ذلك نهج أهل البيت عليهم السلام في نشر الرسالة بروح العلم والرحمة.
أم في مجال الحاسوب، فقد طوّرت خبرتي بما يتيح لي تدريب المكفوفين على استخدام البرامج الناطقة، والمصاحف الإلكترونية، والمواد التعليمية المحفوظة على الحاسوب، ليكون وصولهم إلى القرآن الكريم ومختلف مجالات العلوم والمعلومات أكثر سهولة واستقلالية.
كيف استطعت دراسة التقنيات الحديثة وتطوير نفسك في مجالي الحاسوب واللغة الإنجليزية؟
- استطعت دراسة التقنيات الحديثة وتطوير نفسي في مجالي الحاسوب واللغة الإنجليزية من خلال الإصرار على التعلم المستمر وعدم الاستسلام لصعوبات الواقع.
التحقت بدورات متخصصة، وواصلت التدريب الذاتي عبر المنصات التعليمية والبرامج الناطقة، وحرصت على تطبيق ما أتعلمه بصورة مباشرة في حياتي العملية وفي قاعات الدرس.
تطوير مهارات
وكنت أتعامل مع كل معرفة جديدة بوصفها فرصة لخدمة طلابي أولاً، ثم خدمة مجتمعي، وهذا ما منحني الدافع للاستمرار وعدم التراجع.
ما خططك لتطوير مهاراتك خلال المرحلة المقبلة؟
- في المراحل القادمة أخطط للتركيز على الجانب العلمي، من خلال تطوير مهاراتي والحصول على شهادات أعلى في اللغة الإنجليزية والدراسات الأكاديمية، بما يمكّنني من توسيع معرفتي وخبرتي، ويؤهلني لخدمة القرآن الكريم وطلابي والمجتمع بصورة أعمق وأكثر احترافية.
من واقع تجربتك كمدرِّبة حاسوب للمكفوفين، ما أبرز الاحتياجات والتسهيلات التي ترين ضرورة توفيرها لهذه الفئة؟
- من خلال تجربتي كمدرِّبة حاسوب للمكفوفين، أرى أن أهم ما يحتاجه المكفوفون في العراق هو توفير بيئة تعليمية مهيأة بالكامل، تبدأ من توفير الأجهزة الناطقة والبرامج الأصلية المخصصة لهم، مروراً بتكييف المناهج الجامعية والمدرسية لتكون قابلة للقراءة باستخدام التقنيات المساندة، وانتهاءً بتأهيل كوادر متخصصة في التدريب على هذه الأدوات.
كما أن المكفوفين بحاجة إلى فرص عمل حقيقية تحترم كفاءتهم، وألا تُحصر مجالات عملهم في وظائف محدودة، بل تُفتح أمامهم مجالات البرمجة والدعم التقني والترجمة وسائر المهن التي يستطيعون الإبداع فيها متى ما توفرت لهم الثقة والتسهيلات اللازمة.
ما رسالتك عبر «الزمان» إلى الشباب العراقي من أصحاب الهمم والطاقات؟
- رسالتي إلى الشباب العراقي من أصحاب الهمم هي ألا يسمحوا لأي عائق بأن يختصر أحلامهم. فالإعاقة الحقيقية ليست في الجسد، وإنما في اليأس.
ومن يحمل همة صادقة يستطيع أن يحوّل ألمه إلى طاقة، وأن يجعل من قصته مصدر إلهام لغيره. وأنصحهم بالتمسك بالعلم، وبناء مهارات حقيقية، وعدم الخوف من التجربة والخطأ.
وماذا تقولين للإعلاميين وصنّاع المحتوى؟
- رسالتي للإعلاميين وصنّاع المحتوى هي تقدير الجهود الكبيرة التي يبذلونها في تسليط الضوء على قضايا المجتمع، مع الدعوة إلى أن تكون صورة ذوي الإعاقة والشباب عموماً أكثر تركيزاً على قدراتهم وإنجازاتهم.
ومن المهم أن يُقدَّم الأشخاص من ذوي الإعاقة بوصفهم شركاء فاعلين في صناعة المستقبل، مع فتح مساحات للحوار حول حقوقهم واحتياجاتهم وفرص مشاركتهم.
فالإعلام عندما يتبنى هذا الدور الإيجابي، يسهم بقوة في تعزيز الوعي المجتمعي، وبناء وطن يحتضن جميع طاقاته دون استثناء.
وتقدم تجربة غصون التميمي نموذجاً لشابة لم تجعل فقدان البصر نهاية الطريق، بل اختارت أن تصنع منه بداية لمسارات متعددة في العلم والتعليم وخدمة الآخرين، مؤكدة أن الوصول إلى المعرفة لا تحدده الحواس وحدها، وإنما تصنعه الإرادة، وتوسعه الفرص، وتحميه المثابرة.