لا حصانة أمام القانون
جواد العطار
تعد ملاحقة قضايا الفساد ومساءلة المتورطين فيها وفقا للقانون ، بعيدا عن المجاملات او الاستثناءات ، ودون اعتبار لمناصب المتهمين او تاريخهم او علاقاتهم، اساسا لاي مسعى حقيقي لمكافحة الفساد في العراق.
وينبغي ادارة هذا الملف ضمن اطار مؤسسي دستوري وقانوني ، تتولى فيه الجهات المختصة دراسة قضايا الفساد والتحقيق فيها واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة، وفق آليات واضحة وشفافة ، بدلا من تحويل مكافحة الفساد الى دعاية او واجهة اعلامية ، او الى ملف تديره شخصيات سياسية ، او يخضع لحسابات ضيقة ، او يرتبط بأسماء مسؤولين.
ان مكافحة الفساد مسؤولية وطنية ، وينبغي ان تصبح نهجا دائما ومستقرا في العراق ، لا حملة مؤقتة مرتبطة بمرحلة سياسية او بأشخاص محددين. فالدولة الجادة في مكافحة الفساد لا يمكنها التعامل معه وفقا للظروف السياسية او موازين القوة ، بل يتعين عليها جعل القانون المرجعية الوحيدة لتحديد المسؤولية وضمان المساءلة. فالفساد لم يعد مجرد حالات فردية معزولة ، بل ترسخ في عدد كبير من مؤسسات الدولة ، وامتد ليشمل قطاعات ومجالات مختلفة ، عامة وخاصة ، حتى اصبح في بعض الحالات سلوكا متكررا وثقافة يتعامل معها المجتمع ، مع الأسف ، بقدر كبير من القبول او التساهل. ولذلك ، فان مواجهة هذه الظاهرة لا تقتصر على كشف قضية هنا او ملاحقة مسؤول هناك ، وانما تتطلب اصلاحا مؤسسيا يعالج اسباب الفساد ويغلق منافذه ، ويحول دون تكراره.
كما ينبغي الا تتحول مكافحة الفساد الى وسيلة للتشهير او تصفية الحسابات السياسية ، والا تتسم بالانتقائية ، بحيث تستهدف بعض المسؤولين وتتجاهل آخرين. فالمعيار يجب أن يكون موحدا مؤسسيا وينطبق على الجميع ، كما ان الاتهام لا يعني الادانة؛ اذ تتولى الجهات القضائية المختصة اثبات المسؤولية وفقا للقانون ، والمتهم بريء حتى تثبت ادانته وفقا للقاعدة القانونية الشهيرة.
وعليه، فإن المعركة الحقيقية ضد الفساد لا تبدأ باستهداف اشخاص بعينهم ، ولا تنتهي بانتهاء ولاية مسؤول ، بل تبدأ ببناء مؤسسات مستقلة وقادرة على تطبيق القانون ومساءلة كل من تثبت مسؤوليته ، ايا كان منصبه او نفوذه او علاقاته ، وتستمر بصورة دائمة لا تتوقف بتغير الحكومات او المسؤولين.
فالمطلوب ليس اطلاق حملة جديدة تنتهي بانتهاء عناوينها، وانما اعتماد سياسة دولة ثابتة تجعل مكافحة الفساد جزءا دائما من عمل مؤسساتها: تحمي المال العام اولا؛ وتعزز ثقة المواطن بالدولة والقانون ثانيا؛ وتضمن ثالثا؛ وهو الاهم عدم افلات اي مدان من العقاب مهما كان منصبه... وهذا هو المطلوب.