الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
شخصيات من بلادي ..نازك الملائكة

بواسطة azzaman

شخصيات من بلادي ..نازك الملائكة

شاعرة غيّرت إيقاع القصيدة العربية

صالح رضا

 

حين نتحدث عن نازك الملائكة، فإننا لا نتحدث عن شاعرة عراقية كبيرة فحسب، بل عن واحدة من الشخصيات التي وقفت عند مفترق مهم في تاريخ الشعر العربي، حين بدأت القصيدة تبحث عن شكل جديد وإيقاع جديد ورؤية أكثر التصاقاً بقلق الإنسان وتحولات العصر.ولدت نازك الملائكة في بغداد عام 1923، ونشأت في بيت أدبي وثقافي عريق، فوالدها صادق الملائكة كان مهتماً باللغة والثقافة، ووالدتها الشاعرة سلمى عبد الرزاق، المعروفة بأم نزار الملائكة. وفي هذا المناخ الأدبي نشأت موهبتها وتكون وعيها بالشعر واللغة.

درست في دار المعلمين العالية ببغداد وتخرجت عام 1944، ثم درست الموسيقى في معهد الفنون الجميلة وتخرجت عام 1949. وواصلت رحلتها العلمية في الولايات المتحدة، حيث درست الأدب المقارن وحصلت على الماجستير من جامعة ويسكونسن. وهكذا اجتمع في شخصيتها الشعر والموسيقى والنقد والثقافة الأكاديمية.وفي عام 1947 أصدرت ديوانها الأول «عاشقة الليل»، وكان إعلاناً عن صوت شعري جديد، مشبع بالتأمل والحزن والقلق الإنساني. وفي العام نفسه كتبت قصيدتها الشهيرة «الكوليرا»، التي أرتبط أسمها بها وببداية تجربة الشعر الحر أو شعر التفعيلة في الأدب العربي الحديث.وفي الفترة نفسها تقريباً كان بدر شاكر السياب يخوض التجربة ذاتها، ولذلك بقيت مسألة السبق موضع نقاش بين الدارسين، لكن المؤكد أن نازك والسياب كانا من أبرز رواد التحول الكبير الذي عرفته القصيدة العربية في القرن العشرين.وكانت أهمية نازك لا تكمن في كتابة الشعر الحر فقط، بل في محاولتها التنظير له وشرح أسسه والدفاع عنه. فقد أدركت أن التجديد الشعري ليس مجرد كسر للشكل القديم، وإنما يحتاج إلى وعي بالإيقاع والتفعيلة واللغة وبناء القصيدة.

وفي عام 1949 صدر ديوانها الثاني «شظايا ورماد»، ليؤكد أن تجربتها الجديدة لم تكن نزوة عابرة، وإنما مشروعاً شعرياً يتقدم بثبات. ثم توالت أعمالها الشعرية، ومنها «قرارة الموجة» و«شجرة القمر» و«مأساة الحياة وأغنية الإنسان» و«للصلاة والثورة»، وغيرها من الأعمال التي رسخت مكانتها في الشعر العربي الحديث.وكان للمرأة حضور واضح في تجربتها، كما حضرت موضوعات الوحدة والحب والموت والحرية والقلق الإنساني. كانت تكتب من الداخل، وتحول تجربتها النفسية إلى تجربة إنسانية يجد القارئ نفسه فيها. ولهذا جاء الحزن في شعرها عميقاً ومتأملاً، لا مجرد حالة عابرة.ولم تكن نازك شاعرة فقط، بل كانت ناقدة ومفكرة وأكاديمية. ويأتي كتابها «قضايا الشعر المعاصر» الصادر عام 1962 في مقدمة أعمالها النقدية المهمة، وقد أصبح من الكتب المؤثرة في دراسة الشعر الحر ومشكلاته. كما كتبت ،،الصومعة والشرفة الحمراء،،وسيكولوجية الشعر،، وغيرها من الدراسات التي تكشف عن سعة ثقافتها وأهتمامها بالشعر من جوانبه الفنية والنفسية والاجتماعية. لقد كانت نازك شاعرة تفكر في الشعر، وهذه ميزة نادرة. لم تكتب القصيدة فقط، بل حاولت أن تفهم طبيعتها، وأن تبحث في علاقتها بالتراث والحداثة وبالإنسان والمجتمع.كما عملت بالتدريس في الجامعات العراقية، ثم في جامعة الكويت، وأسهمت في تكوين أجيال من الطلبة، وكانت تجمع في شخصيتها بين الموهبة الشعرية والثقافة الواسعة والتجربة الأكاديمية.

وظلت بغداد حاضرة في وجدانها، فهي المدينة التي ولدت فيها وبدأت فيها علاقتها بالشعر، ومنها خرج صوتها إلى العالم العربي.

ولهذا فإن الحديث عن نازك الملائكة هو أيضاً حديث عن بغداد الثقافية في منتصف القرن العشرين، تلك المدينة التي كانت مركزاً مهماً للشعر والفن والثقافة.

في سنواتها الأخيرة ابتعدت عن الأضواء، وأقامت في القاهرة منذ عام 1990، وظلت هناك حتى رحيلها في العشرين من حزيران عام 2007.حظيت خلال حياتها وبعدها بتكريمات عديدة، من بينها جائزة البابطين للشعر عام 1996، كما كرمتها دار الأوبرا المصرية عام 1999 بمناسبة مرور نصف قرن على انطلاق تجربة الشعر الحر.لكن التكريم الحقيقي للشاعر لا يكون بالجوائز وحدها، وإنما ببقاء صوته حياً. ونازك الملائكة بقي صوتها حياً لأن ما قدمته لم يكن مجرد دواوين شعرية، بل كان مساهمة في تغيير طريقة كتابة القصيدة العربية والتفكير فيها.لقد فتحت نافذة جديدة في جدار القصيدة القديمة، ولم تكن تريد هدم التراث، وإنما كانت تبحث عن إمكانية أن يعيش التراث مع روح العصر.

ولهذا بقيت الملائكة واحدة من أهم الأسماء في تاريخ الشعر العربي الحديث، شاعرة وناقدة وأكاديمية وامرأة عراقية حملت اسم بغداد إلى فضاء الشعر العربي.وإذا كان بدر شاكر السياب قد منح الشعر الحر حرارة التجربة العراقية ووهجها، فإن نازك الملائكة منحت هذه التجربة جانباً آخر من الوعي والتنظير والتأمل، فكانا معاً، ومع أصوات أخرى من جيلهما، جزءاً من لحظة شعرية غيّرت وجه القصيدة العربية.نازك الملائكة لم تكن شاعرة خرجت من زمنها، بل شاعرة دفعت زمنها إلى الأمام.

ويبقى بورتريه الملائكة الذي رسمته تحية وفاء بسيطة لشاعرة عراقية كبيرة، ولوجه أدبي ترك بصمته في تاريخ القصيدة العربية، واستحق أن يبقى حاضراً في الذاكرة العراقية.


مشاهدات 50
أضيف 2026/09/02 - 2:20 PM
آخر تحديث 2026/09/03 - 2:15 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 230 الشهر 3741 الكلي 16536261
الوقت الآن
الخميس 2026/9/3 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير