من جبال السليمانية.. نبات برّي يفتح آفاقاً واعدة لعلاج السرطان وتعزيز المناعة
باسل الخطيب
تختزن الطبيعة كنوزاً لم يكتشفها الإنسان بعد، رغم كل ما وهبه الله تعالى من قدرات، ومن هذه الكنوز، تحتل النباتات البرية مكانة خاصة، لاسيما في الأمور العلاجية، إذ ظلت لقرون طويلة موضع اهتمام العشابين والباحثين والأطباء على حد سواء، وما تزال تكشف عن أسرارها بالتدريج. فبين الحين والآخر تُظهر الأبحاث خصائص جديدة لأحد تلك النباتات. وهذا ما حدث مع عالم كردي أثناء جولاته الاستكشافية في جبال محافظة السليمانية.
نبات بري من جبال كردستان
فخلال واحدة من تلك الجولات عثر عالم الأحياء البروفيسور د. سامان عبد الرحمن أحمد، رئيس مؤسسة نباتات كردستان في الجامعة الأمريكية- سليمانية (AUIS)، على نبات بري عطري معمر يتمتع بخائص علاجية واعدة، يعرف باسم برانغوس فيرولاسيا Prangos ferulacea أو باسم الجاشير أو الكَشْنَة في بعض مناطق الشرق الأوسط.
وينتمي النبات للفصيلة الخيمية Apiaceae التي تضم آلاف الأنواع العشبية، وسميت بذلك لأن أزهارها الصغيرة تتجمع في نورات تشبه الخيمة أو المظلة، وتتميز برائحتها العطرية القوية لاحتوائها على زيوت طيارة.
وينمو البرانغوس فيرولاسيا في المناطق الجبلية الوعرة والجافة في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، إلا أن خصائصه الطبية لم تحظ، بحسب الباحثين، بالقدر نفسه من الدراسة الذي حظيت به بعض النباتات الطبية الأخرى.
وطوال المدة من أيار/ مايو إلى حزيران/ يوليو 2022، قام د. سامان بجمع كمية من الأجزاء الهوائية لنبات برانغوس فيرولاسيا وتحديدها، والتعرف على خواصها وفوائدها. وحدد الخطوات اللازمة لبداية مشروع بحثي مشترك يحدد سبل الاستفادة من هذا النبات علاجياً بالتعاون مع زميله البروفيسور د. وميض هادي طالب، عميد كلية الصيدلة والعلوم في جامعة العلوم التطبيقية الأردنية.
السرطان سبب رئيس للوفاة
ويُعترف بالسرطان بصورة متزايدة باعتباره تحدياً صحياً عالمياً رئيساً، إذ يسهم بنو كبير في الوفيات المبكرة ويفرض أعباءً اجتماعية واقتصادية شديدة. وتشير التقديرات الحديثة إلى أنه بحلول عام 2030، سيصل العدد السنوي للحالات الجديدة من السرطان والوفيات المرتبطة به إلى 21.4 مليون حالة و13.2 مليون وفاة على التوالي، مما يجعل السرطان أحد الأسباب الرئيسة للوفاة في أنحاء العالم خلال القرن الحادي والعشرين.
نتائج مختبرية واعدة
وركز البحث على تحليل المركبات الفعالة الموجودة في الأجزاء الهوائية للنبتة، حيث أظهرت النتائج المختبرية قدرة ذلك النبات على تحفيز الجهاز المناعي وتعزيز استجابته تجاه الخلايا السرطانية.
واعتمد الباحثون في دراستهم على عينات نباتية جمعت من مناطق مختلفة في جبال السليمانية، تم إخضاعها لعمليات استخلاص كيميائي باستخدام مذيبات متعددة القطبية بهدف عزل المركبات الفعالة وتحليل تأثيراتها البيولوجية في المختبر.
ويُعد البحث من المحاولات العلمية التي تسعى إلى استكشاف الإمكانات العلاجية للنباتات المحلية، في إطار البحث عن مصادر طبيعية قد تسهم مستقبلاً في تطوير أدوية جديدة لعلاج مختلف الأمراض لاسيما المستعصية.
وبحسب النتائج الأولية للتجارب المختبرية، أظهرت المستخلصات النباتية لتلك النبتة نشاطاً ملحوظاً في دعم بعض وظائف الجهاز المناعي. فقد سجل الباحثون زيادة في تكاثر الخلايا الليمفاوية الطحالية Splenocytes (خلايا مناعية موجودة في الطحال)، إضافة إلى تحسين كفاءة عملية البلعمة، وهي آلية دفاعية يستخدمها الجسم للتعرف على الخلايا غير الطبيعية والقضاء عليها. وأظهرت التجارب على تلك النبتة أن لها تأثيرات بيولوجية متعددة تشمل: مضاد للأكسدة، مضاد للتشنج، مسكّن للألم، مضاد للميكروبات، مضاد للسكري، مهدئ، ومضاد للالتهابات، فضلاً عن فوائدها في علاج اضطرابات الجهاز الهضمي والكبد والجهاز العصبي.كما تمتد خصائصها لتشمل تأثيرات مضادة للفيروسات.
مبيدة للحشرات، ومضادة للسرطان، وذلك بفضل مركباته الفعالة.
• ثلاثة مستخلصات
وعمد الباحثون إلى تحضير ثلاثة أنواع من المستخلصات النباتية: مستخلص خلات الإيثيل، مستخلص الميثانول والمستخلص المائي، ثم اختبار فعاليتها على مجموعة من الخطوط الخلوية السرطانية، شملت خلايا سرطان الثدي، عنق الرحم وأورام أخرى، إضافة إلى خلايا مرجعية سليمة.
وأظهرت النتائج أن مستخلصي خلات الإيثيل والميثانول يمتلكان نشاطاً قوياً في تثبيط تكاثر الخلايا السرطانية، مع تسجيل أعلى فعالية ضد خلايا سرطان الثدي بقيم منخفضة جداً من التركيز المثبط، ما يشير إلى قوة التأثير الحيوي للمستخلصات.
كما امتد التأثير المضاد للسرطان إلى النماذج الحيوية، حيث تم حقن فئران بخلايا ورمية، وأظهرت المعالجة بالمستخلصات النباتية انخفاضاً واضحاً في حجم الورم ووزنه. وسجل مستخلص خلات الإيثيل النسبة الأعلى في تقليل حجم الورم، تلاه مستخلص الميثانول.
• تعزيز الجهاز المناعي
إلى جانب التأثيرات المضادة للأورام، ركزت الدراسة على تقويم دور النبات في تعديل الاستجابة المناعية. وأظهرت النتائج أن المستخلصات، لاسيما مستخلص الميثانول، أدت إلى زيادة ملحوظة في تكاثر الخلايا اللمفاوية الطحالية المسؤولة عن الاستجابة المناعية التكيفية.
كما تم تسجيل تحسن في نشاط الخلايا البلعمية الكبيرة Macrophages، التي تلعب دوراً رئيساً في التخلص من الخلايا الغريبة والمتحولة، بالإضافة إلى تعزيز عمليات البلعمة. أما المستخلص المائي فقد أظهر تأثيراً أوضح على وظيفة الاحتساء الخلوي Pinocytosis ، وهو أحد المؤشرات المهمة لنشاط الخلايا المناعية.
• تطبيقات مستقبلية محتملة
وفقاً للباحثين، فإن هذه النتائج تمثل خطوة مهمة في مجال البحث عن مصادر طبيعية لعوامل مضادة للسرطان ومعدِّلة للمناعة، خاصة في ظل التحديات التي تواجه العلاجات التقليدية مثل مقاومة الأدوية والآثار الجانبية المرتفعة.
ومع ذلك، شدد الفريق البحثي على أن هذه النتائج لا تعني إمكانية استخدام النبات مباشرة كعلاج، بل تمثل مرحلة أولية واعدة تتطلب إجراء المزيد من الدراسات من أجل عزل المكونات الفعالة وتحديد خصائصها، بالإضافة إلى توضيح آليات عملها على المستوى الجزيئي والتحقق من فعاليتها وسلامتها للبشر.
وعلاوة على ذلك، توفر النتائج التي توصلوا إليها، معلومات قيّمة بشأن الإمكانات الدوائية لنبات برانغوس فيرولاسيا، وتشير إلى إمكانية الاستفادة منه مستقبلاً في التطبيقات العلاجية والعملية.
• دعوة للاهتمام بكنوز كردستان النباتية
ويعيد هذا الاكتشاف العلمي الاهتمام بالتنوع النباتي الغني الذي تتميز به جبال إقليم كردستان العراق، التي تعد موطناً لآلاف الأنواع النباتية المميزة والفريدة، التي يستخدم بعضها فعلاً بالطب الشعبي، لاسيما أن العديد من تلك النباتات لم يُدرس بعد بصورة علمية كافية، ما يجعلها مصدراً محتملاً لاكتشاف مركبات دوائية جديدة.
ويؤكد متخصصون في مجال الأبحاث الدوائية أن التوجه نحو دراسة النباتات الطبية المحلية ينسجم مع الاتجاه العالمي المتزايد للبحث عن مركبات طبيعية أقل سمية وأكثر توافقاً مع جسم الإنسان. كما يرون أن الاستثمار في هذا النوع من الأبحاث قد يفتح آفاقاً جديدة لتطوير الصناعات الدوائية، إلى جانب تعزيز الاستفادة العلمية والاقتصادية من الموارد الطبيعية في المنطقة.
• فوائد أخرى متعددة
وفضلاً عن تلك الفوائد، فأن تلك النبتة تستخدم أيضاً في مجالات أخرى عديدة، منها كعلف للحيوانات بسبب غناها النسبي بالزيوت العطرية والمواد الغذائية. كما تستخدم في مجال الطب الشعبي للمساعدة في تحسين الهضم والتخفيف من الغازات والتشنجات، كما ارتبط استخدامها تقليدياً بإدرار البول وتخفيف بعض آلام المعدة ونزلات البرد.
وتبقى هذه الاستخدامات ضمن نطاق الموروث الشعبي والتطبيقات التقليدية، ولا ينبغي اعتبارها بديلاً عن العلاجات الطبية المثبتة علمياً ما لم تدعمها أدلة سريرية كافية.
• مجلة علمية محكمة
يذكر أن الفريق البحثي كلل جهود بنشر البحث الخاص بنبات برانغوس فيرولاسيا في مجلة عالمية محكمة هي مجلة Integrative Cancer Therapies بتاريخ 10/3/ 2026 بعنوان:
Anti-Cancer and Immunomodulatory Activities of Prangos ferulacea (L.) Lindl. (APIACEAE) Extracts: An In Vitro and In Vivo Study
أو التأثيرات المضادة للسرطان والمعدِّلة للمناعة لمستخلصات نبات برانغوس فيرولاسيا (الفصيلة الخيمية): دراسة تجريبية في المختبر وفي الجسم الحي.
ويمنح نشر البحث في مجلة علمية محكمة أهمية للنتائج التي توصل إليها الفريق، لكن الطريق ما يزال طويلاً لإثبات فعالية النبات كعلاج للسرطان لدى البشر.
وتبقى هذه الاستخدامات ضمن نطاق الموروث الشعبي والتطبيقات التقليدية، ولا ينبغي اعتبارها بديلاً عن العلاجات الطبية المثبتة علمياً ما لم تدعمها أدلة سريرية كافية.
• مجلة علمية محكمة
يذكر أن الفريق البحثي كلل جهود بنشر البحث الخاص بنبات برانغوس فيرولاسيا في مجلة عالمية محكمة هي مجلة Integrative Cancer Therapies بتاريخ 10/3/ 2026 بعنوان:
Anti-Cancer and Immunomodulatory Activities of Prangos ferulacea (L.) Lindl. (APIACEAE) Extracts: An In Vitro and In Vivo Study
أو التأثيرات المضادة للسرطان والمعدِّلة للمناعة لمستخلصات نبات برانغوس فيرولاسيا (الفصيلة الخيمية): دراسة تجريبية في المختبر وفي الجسم الحي.
ويمنح نشر البحث في مجلة علمية محكمة أهمية للنتائج التي توصل إليها الفريق، لكن الطريق ما يزال طويلاً لإثبات فعالية النبات كعلاج للسرطان لدى البشر.