الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
البكر من إنقلاب 1963 إلى التآمر على قادة البعث (2)

بواسطة azzaman

البكر من إنقلاب 1963 إلى التآمر على قادة البعث (2)

هكذا تخلّى الرئيس عن صديقه عزت مصطفى

طالب الحسن

 

من الصفات الذميمة أن يتخلى الإنسان عن صديقه في ساعة العسرة والضيق، التي يمر الصديق بها، أو يتركه لعاديات الزمن كريشة في مهب الريح، أو أنه يزيد من حالة شقائه ومحنته، ويصب الزيت على النار أو يزيد الطين بلةً، كما تقول الأمثال، أو أنه لا يتورع في أن يكون سبباً في مأساة صديقه.

إن هذا التدرج من السيء إلى الأسوأ في حالات التخلي عن الصديق مارسه أحمد حسن البكر مع صديقه الدكتور عزت مصطفى العاني دون أن يرتكب ذنباً أو جريمة، وواضح لدينا جميعاً أنهما صديقان، ويشهد على هذه الصداقة أفراد من عائلتيهما.

يقول عبد السلام أحمد حسن البكر: «الذين أتذكرهم يترددون إلى البيت كثيراً كأصدقاء ويخرج معهم في سياراتهم هما الدكتور عزت مصطفى والدكتور أحمد عبد الستار الجواري رحمهما الله تعالى، وكذلك يحيى ياسين وإبراهيم محمد إسماعيل رحمهما الله، مع أني لا أتذكرهما جيداً قبل الثورة وربما كان يلتقي بهما خارج البيت».

ويقول الدكتور تحسين معلة: «كما قلت كانت علاقتي وعلاقة عزت مصطفى بالبكر جيدة جداً».

وكذلك سمعت من الدكتور نزيه شعبان مصطفى ابن أخ الدكتور عزت مصطفى وزوج ابنته الوحيدة عن تلك العلاقة المتينة والصداقة الحميمة، وأكدها كذلك قريبهم السفير السابق قيس العاني.

ومن الغريب أن نقرأ للدكتور إحسان رؤوف البحراني ما دونه في مذكراته قائلاً: «كما ذكرت سابقاً كان الكتور عزت مصطفى قد وضع تحت الإقامة الجبرية في الشرقاط بعد رفضه التوقيع على إعدام المتهمين بالاشتراك بمسيرات أربعينية الإمام الحسين، في أحد الأيام قام بزيارتي أحد أقربائه وأبلغني بتحيات الدكتور عزت، وأخبرني أنه ليس بصحة جيدة ويطلب إدخاله مدينة الطب لإجراء ما يلزم له من فحوص طبية.

صديق قديم

كنت على علم بأن الدكتور عزَّت مغضوب عليه من الحزب والدولة، وخاصة من البكر وصدام، وإذا أدخلته المستشفى فقد أواجه بمحاسبة أو ملاحقة من الحزب والدولة، ولكن كون الدكتور صديق قديم لي، وجدت أنه يجب علي مساعدته على الرغم من الظروف المحيطة بقضيته وما يترتب على مساعدتي له من نتائج، فاتصلت بالدكتور عز الدين شكارة وهو صديق قديم أستاذ ورئيس قسم الباطنية في كلية الطب ومستشفى الموصل، ولكون الشرقاط عائدة إلى الموصل، طلبت منه أن يهيئ سيارة إسعاف لنقل الدكتور عزت من الشرقاط إلى مدينة الطب، فلبى الدكتور عز الدين طلبي بسبب العلاقة بيننا، فقام بإرسال سيارة إسعاف من الموصل إلى الشرقاط لنقل الدكتور عزت إلى مدينة الطب.

حرصت أن يصل المدينة بعد الظهر حتى لا يشاهده المسؤولون هناك، فأدخلته مركز إنعاش القلب وبدأت بإجراء الفحوص له، وفي اليوم التالي اتصل بي رئيس المؤسسة بعد أن علم بوجود الدكتور عزت في المستشفى وعاتبني على إدخال الدكتور فيها، وعبر عن استيائه لهذا الإجراء، فقلت له إني أتحمل المسؤولية وأنه مريض وبحاجة إلى رعاية، بعدها اتصل بي رئيس المخابرات سعدون شاكر وقال لي: «ماذا يفعل الدكتور عزت في مستشفاكم؟!» فقلت له أنه مريض وبحاجة إلى رعاية طبية، فقال: (إنه متمارض)، فأجبته: (إنه مريض وإني أعرف واجبي)، فحذرني من هذا الإجراء.

إنسان عادي

في اليوم التالي صادف موعد زيارتنا الأسبوعية للرئيس البكر، فانتهزت الفرصة وشرحت له سبب دخول الدكتور عزت للمستشفى، فسألني هل هو مريض حقاً؟! فقلت له: نعم أنه مريض وبحاجة لفحوص ورعاية، فقال لي: يجب معاملته كإنسان عادي ولما يكمل علاجه يجب أن يعود إلى الشرقاط، فقلت له: نعم بعد إكمال العلاج سيترك المستشفى ويعود إلى محل إقامته، وعندما أتممت فحوصه وعلاجه، كتبت له تقريراً طبياً ورفعناه أنا والدكتور فرحان باقر، الذي شاركني في علاجه، بينما لم يوافق رئيس المؤسسة الدكتور صادق علوش على توقيع التقرير، غادر الدكتور عزت المستشفى بعد خمسة أيام من دخوله، وشكرني على موقفي هذا والذي اعتبرته واجباً تجاه صديق بحاجة إلى مساعدة صديقه في محنته».

إن الدكتور إحسان رؤوف البحراني ليس له مصلحة في التكتم على الحق وترك التصريح به، ولم تكن لديه مشكلة مع الأسماء التي ذكرها في القصة المتقدمة، وكانت علاقته بالبكر جيدة جداً، وهو ضمن هيئة أطبائه الخاصين، والذي يقرأ مذكرات الرجل يقف على هذا المعنى بلا أية مواربة، كذلك علاقته بالآخرين، وهو رجل مهني بما لهذه الكلمة من معنى، وكان يؤدي وظيفته الإنسانية بإخلاص تام حتى لو تطلب أداؤها خسارته.

وقد انقسم القوم إلى نمطين من البشر في هذه القصة، متساويين في العدد مختلفين فيما تحمله نفوس كلٍّ منهما، الأول تجد فيه الإنسانية والرحمة والاندفاع إلى عمل الخير وإنقاذ الملهوف ضمن الاختصاص.

ويمثله الدكاترة إحسان رؤوف البحراني، وعز الدين شكاره، وفرحان باقر، والثاني تجد فيه الخسة والوضاعة والتشكيك ويمثله د. صادق حميد علوش، وسعدون شاكر رئيس المخابرات، وأحمد حسن البكر رئيس الجمهورية، ومحور القصة الذي تدور أحداثها حوله هو الدكتور عزت مصطفى ومحنته، والفريق الأول الذي تعاطف معه لانتشاله من صدمته يمثل أصدقاءه وزملاءه في المهنة، والفريق الثاني يمثل رفاقه في الحزب، وكذلك فيهم من هو صديقه، ومنهم من هو زميل، وشتان ما بين المجموعتين، والفرق شاسع جداً بينهما، كما هو الفرق بين الخير والشر، والحق والباطل، والمروءة والوضاعة، والطيبة والخسة، إلى غير ذلك مما يحمله القاموس العربي من المتضادات في هذا المجال.

وتبدأ القصة المؤلمة بتهيئة سيارة الإسعاف لنقل المريض الدكتور عزت مصطفى وإدخاله إلى مدينة الطب خلسةً، وهو الذي كانت سيارات الإسعاف بالعراق تحت إمرته، وقام بهذا الدور المحفوف بالمخاطر الدكتور عز الدين شكارة مجازفاً بنفسه وموقعه ووظيفته، لأنه كمن وضع يده في عش الدبابير.

والدور الأهم في القصة اضطلع به الدكتور إحسان رؤوف البحراني، وتحمل مسؤوليته من البداية إلى النهاية، وهو موقف أقل ما يقال عنه بأنه مشرِّف جداً، وقد اشترك معه في الفحص والتشخيص والمعالجة الدكتور فرحان باقر، واستطاع الاثنان إسعاف زميلهم المريض حقاً وإنقاذه، ثم بادرا لكتابة التقرير عنه، وهي عملية فيها الكثير من المخاطرة والمجازفة، التي لا يخوض فيها إلا الرجال.

أما أفراد الفريق الثاني الذين ذكرنا أسماءهم بحسب تسلسل الأدوار في هذه القصة، وهم رئيس المؤسسة الدكتور صادق حميد علوش، الذي عاتب الدكتور إحسان البحراني على إدخال المريض في المستشفى، وعبر عن استيائه لهذا الإجراء، لأن عمل الخير يعد إساءة في عرف البعث، ولم يوقع التقرير الطبي المرفوع إليه من قبل الطبيبين إحسان البحراني وفرحان باقر.

إنَّ الطبيبين اللامعين إحسان وباقر ينطلقان من منطلق وتفكير إنساني محض، ويعتقدان بأنهما قدما إنجازاً في حقل اختصاصهما، أما الدكتور صادق علوش فإنه يفكر بعقلية حزب البعث؛ عقلية العدوان وإلغاء الآخر وتدميره، ولأنه لا يمتلك الحجة على مناقشة التقرير الطبي لأن الذين كتباه من أساطين الطب في العراق آنذاك، فعمد إلى رفض التوقيع عليه، وهي عملية لا تنم إلا عن حالة هروب فاضحة من عمل الخير.

وسعدون شاكر يشكل النموذج الثاني من هذا الفريق، وهو الآخر حذر الدكتور إحسان البحراني من مغبة عمله الإنساني، وسخر منه، بأسئلته الاستفزازية عندما قال له: (ماذا يفعل الدكتور عزت في مستشفاكم؟!) وعندما أتاه الجواب الشافي، صار يرد باستخفاف المشكك الحاقد، ويقول: إنه متمارض.

إنه لمن المهازل الكبيرة أن يناقش سعدون شاكر في مجال الطب، وهو الذي لا يجيد غير القتل بالكاتم، ودفن الأحياء، وسقي الثاليوم، وإذابة الأجساد في أحواض الأسيد.

والغريب المدهش أن المحتاج إلى علاج وإسعاف هو طبيب ووزير صحة سابق، وأن المشرفين على علاجه طبيبان لامعان وأستاذان في كلية الطب، أما المشكك في دعواهم والمعترض عليهم لم يكن سوى واحد من شقاوات حي الفضل ببغداد.

وكان موقف أحمد حسن البكر تجاه صديقه الدكتور عزت مصطفى في غاية السوء، فرغم معرفة البكر السابقة بصديقه، الذي كان معروفاً في كل الأوساط متمارضاً، وهو الآخر مشكك في هذا الموقف كسعدون شاكر، وكان ذلك واضحاً السياسية بأنه ممول حزب البعث العراقي، ولكن البكر سرعان ما تخلى عنه وعدَّه من خلال السؤال الذي طرحه على الطبيب المعالج، وقد قال فيه: هل هو مريض حقاً؟! ثم يعقب مسترسلاً، وكان تعقيبه يتضمن كل معاني التخلي عن الود والصداقة الحميمة، والإنكار السريع لكل خدمات الرجل لبعث العراق وللبكر شخصياً، وقد جاء في هذا التعقيب قوله: يجب معاملته كإنسان عادي.

والكلمة الأخيرة الصادرة عن البكر كافية ٌ للكشف عن معدنه.

ومما هو جدير بالذكر أن المرحوم الدكتور عزت مصطفى مَرَض فجأة نتيجة الصدمة الهائلة التي تلقاها من أحمد حسن البكر وصدام، لأنه لم يكن يتوقع أن يصل الإنسان إلى هذا المنحدر من نكران الجميل وانحطاط الأخلاق. أما الجميل الذي أسداه الدكتور عزت مصطفى إلى البكر وصدام، وبالأخص إلى الأخير، فهو كثير جداً، ولكن الاثنين قد غدرا برفيقهما المحسن إليهما ونكَّلا به تنكيلاً.


مشاهدات 55
الكاتب طالب الحسن
أضيف 2026/08/24 - 3:00 PM
آخر تحديث 2026/08/25 - 1:38 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 124 الشهر 31184 الكلي 16120888
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/8/25 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير