هؤلاء المحظوظون
محمد زكي ابراهيم
يبدو أن الأشخاص الذين يلهج بذكرهم الناس، وتتلقف أخبارهم العامة، ليسوا هم الذين يدافعون عن الحق وينتهجون سبيله، وليسوا هم الذين يدافعون عن القيم ويعلون من شأنها، بل العكس من ذلك تماماً. ففي الغالب يحظى الذين يخالفون السائد ويتمردون على المألوف بشهرة عريضة وإقبال واسع، ويصبحون محط الأنظار في كل مكان.
والأمثلة على ذلك كثيرة، ولا تكاد تحصى. بيد أن مما لفت انتباهي أن كاتبة صينية اسمها وي هوي Wei Hui، نشرت في مطلع القرن الجاري رواية عنوانها “طفلة شنغهاي”، تحدثت فيها عن العلاقات الاجتماعية في الصين من منظور غربي. وقد أثارت، بسبب ذلك، سخط جهات سياسية وثقافية كثيرة، فلم تر السلطات بداً من مصادرة الرواية وإحراق 40 ألف نسخة كانت جاهزة للبيع، لمخالفتها قيم المجتمع الصيني التي ترى في تعدد العلاقات إثماً كبيراً.
غير أن إتلاف الرواية على هذا النحو حقق لها شهرة واسعة. فتلقفتها الأوساط الغربية باهتمام كبير، وأقدمت على ترجمتها إلى لغات عديدة، وأقبل القراء عليها بنهم بالغ. وكتب عنها النقاد الغربيون وأنصار حرية المرأة في كبريات الصحف في بلدانهم. أي أن منع الرواية خلق لها دعاية لم تكن الكاتبة تحلم بها أبداً. ولم تكن السلطات الحكومية، التي تصرفت بناءً على رغبتها بالحفاظ على سمعة المجتمع الصيني، تتوقع لها هذا الانتشار. ولو تغاضت عنها، لما عرف بها أحد خارج حدود الدولة الصينية.
لم تكن رواية “طفلة شنغهاي” الوحيدة التي خدمتها الرقابة، فقد سبقتها أعمال عديدة في مختلف أنحاء العالم. ومن أبرز الأمثلة على ذلك رواية “آيات شيطانية” للكاتب الهندي الأصل سلمان رشدي. فقد حقق لها هدر دم مؤلفها من جانب الإمام الخميني في ثمانينات القرن الماضي شهرة عالمية. وكان أن استغلت القوى المعادية للثورة الإيرانية هذه الحادثة لترجمة ونشر الرواية، وحققت دور النشر منها، بسبب ذلك، أرباحاً طائلة.
وقد صدر حوالي عام 1959 في مصر كتاب عنوانه “الله والإنسان” للطبيب الشاب في حينه مصطفى محمود. فكان أن تعرض لحملة تشهير واسعة من الجامع الأزهر. فقامت النيابة بمصادرة الكتاب، واستُدعي صاحبه للمثول أمام القضاء. غير أن الرئيس عبد الناصر طلب الاكتفاء بالمصادرة، لأنه عرف أن المحاكمة ستسهم في الترويج للكتاب. وقد أسهمت هذه الحادثة في التعريف بالمؤلف، وبات اسمه يتردد على الألسن في المقاهي والمساجد والملتقيات.
وسارع النقاد اليساريون للاحتفاء به، وشرعوا يتداولون قصصه ورواياته على نطاق واسع. لكنهم أسدلوا الستار على نتاجاته فيما بعد، حينما تراجع عن رؤيته الفلسفية تلك، واتجه نحو الدين والتصوف، وأخذ يتحول إلى داعية إسلامي. غير أن ذلك لم يقلل من شهرته، حتى إنه اشترى قطعة أرض في القاهرة من مبيعات روايته “المستحيل” عام 1972، وبنى فوقها مسجداً مع مراكز طبية وعلمية. وأكاد أجزم أن مصطفى محمود لم يكن ليحظى بما حظي به من الانتشار، لولا كتابه الأول الذي أثار الجدل، رغم أنه لم يعد متداولاً منذ عقود طويلة.
إن منع الكتب أو حرقها لم يؤديا في يوم من الأيام إلى ضمورها، بل كانا، على العكس من ذلك تماماً، يقدمان لها خدمة جليلة، ويحملان الملايين على اقتنائها بدافع الفضول أو الإعجاب أو المعارضة. وأظن أن كثيراً من المؤلفين ودّ لو تعرض لمثل هذه المحنة.
لكن هذا المصير المحزن لم يكن متاحاً إلا للمحظوظين من الكتاب، الذين أخلصوا للثقافة الغربية ونبذوا القيم الشرقية، وتعرضوا بالسوء للثوابت الدينية أو الاجتماعية في بلادهم. فمثل هذا الاتجاه هو الكفيل بجعلهم محط نظر القراء في كل مكان.