الرزق بين السعي البشري والإيجاد الإلهي
راجي العوادي
تستقر في أذهان الكثيرين مغالطة مفاهيمية شائعة تختزل فكرة الرزق في كونها قدراً محتوماً يطرق الأبواب دون حاجة إلى عناء ، أو في كونها استجابة ميكانيكية مجردة للدعاء والطلب والقعود , هذا الاتكال ينمّ عن فهم قاصر لعمق المنظومة القرآنية والسنن الإلهية التي أدارت حركة الكون؛ فالإسلام لم يقدم الرزق بوصفه منحة معلقة في الهواء بانتظار الأكف المتضرعة ، بل بوصفه نظاماً سننياً عادلاً قائماً على معادلة الحركة، الإنتاج، واستثمار الأسباب.
إن الفصل بين مفهومي الإيجاد الإلهي والتحصيل البشري هو المدخل الأساسي لتصحيح هذا المسار؛ فالخالق سبحانه وتعالى كفل أصل الأرزاق ووفرها في الطبيعة والكون عبر تسخير الموارد وتحديد الطاقات ، كما عبر النص القرآني ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ هذا الإيجاد هو فعل إلهي كلي ومستمر، أما تحصيل هذه الموارد والاستفادة منها فهو الميدان الذي تُرك للإنسان؛ حيث تحكمه قوانين الحركة والعمل والمكابدة، لا التمني والانتظار.
من هنا، يقدم القرآن الكريم قانون السعي باعتباره الشرط اللازم والمعيار الحاكم لنيل النتائج، فيقرر بصراحة لا لبس فيها: ﴿ وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى﴾ وحتى عندما وجّه التنزيل الحكيم العباد لطلب المادة، جعل الحركة الميدانية مقدمة منطقية على الاستفادة ، فقال: ﴿ فَامْشُوا فِي مَنَاكيبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ﴾ حيث جاء الأمر بالمشي أولاً لتأكيد أن الأرض لا تمنح أسرارها وخيراتها للكسالى ، بل لمن يتغلغل في مناكبها تخطيطاً، وعملاً، واستكشافاً.
وفي الوقت الذي تُمارس فيه العبادات والدعوات لتزكية النفس وتأكيد العبودية واستمداد التوفيق الروحي ، فإنها لم تُشرّع مطلقاً لتكون أدوات إنتاجية أو بديلاً عن السنن الكونية في تحصيل القوت , وقد تجسد هذا الفهم بوضوح في التوجيه النبوي الخالد لمن سأل عن ناقته «اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ» وقد قال الخليفة الثاني عمر بن الخطاب حين رأى قوماً قابعين في المسجد يتعللون بالتوكل، فقال: لا يقعدن أحدكم عن طلب الرزق ويقول: اللهم ارزقني، وقد علم أن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة.
إن قوانين الأرض مطردة لا تجامل أحداً؛ فالأرض تعطي من يعمرها ويحرثها ويستثمرها وفق أسس علمية وعملية صحيحة، بصرف النظر عن عقيدته أو توجهه ، لأن الله جعل السعي قانونه العادل في الاستخلاف الأرضي , فالدعاء يمنح الإنسان السكينة والبركة والأمل ، لكنه لا يلغي القوانين الطبيعية التي أودعها الخالق في هذا العالم؛ فالرزق موجود ومتاح لمن يسعى ويأخذ بالأسباب، وليس لمن يكتفي بالطلب والقعود.
الخلاصة الدقيقة هي أن الله تعالى أوجد الأرزاق وسخّر الموارد في الكون، وجعل تحصيلها والاستفادة منها مرهوناً بالسعي والأخذ بالأسباب ، بينما يأتي الدعاء ليكون سبباً روحياً لاستمداد التوفيق والبركة والاطمئنان ، دون أن يكون بديلاً عن العمل أو ملغياً للقوانين والسنن الكونية التي أرساها الخالق.