جبار جودي يتعرّف على المسرح في عمر 12: الفن لا يعيش على هامش المجتمع
هدى زوين
في المجتمعات التي تتبدّل فيها القيم بسرعة، وتتسارع فيها وسائل الاتصال، لم يعد السؤال عن دور الفن سؤالًا جماليًا فحسب، بل أصبح سؤالًا عن الوعي والهوية والقدرة على قراءة التحولات التي يعيشها الإنسان. فالفن، بما يحمله من قدرة على مساءلة الواقع وإعادة صياغته، يظل أحد أهم المجالات التي يمكن من خلالها فهم المجتمع، ومراقبة تحوّلاته، ومقاومة أشكال التسطيح التي قد تفرضها ثقافة الاستهلاك وسرعة التلقي. من هذا المنطلق، يأتي هذا الحوار مع نقيب الفنانين العراقيين جبار جودي، الذي يجمع بين التجربة الفنية والعمل النقابي والإدارة الثقافية. وفي حديثه، يضيء على علاقة الفن بالمسؤولية الأخلاقية، ومستقبل المسرح والسينما، وتحولات الذائقة الفنية، والتحديات التي تواجه الفنان العراقي، فضلًا عن رؤيته لإدارة المؤسسة الثقافية وضرورة بناء مشاريع تتجاوز عمر المسؤول والمنصب.
□ الفن بين الجمال والمسؤولية… أين تقف حدود الفنان؟
-لا أرى الفن فعلاً جمالياً فقط، ولا يمكن اختزاله في هذا البعد وحده. الفن بالنسبة لي فعل أخلاقي بامتياز، لأن الجمال الحقيقي لا يتعزز إلا بالوعي والمسؤولية. ومن خلال الفن نستطيع ترجمة القيم والمعايير الإنسانية داخل المجتمع، ولذلك لا يمكن فصل الفعل الجمالي عن البعد الأخلاقي، فكل منهما يتغذى من الآخر.
والفنان لا يعيش خارج مجتمعه، بل يتفاعل معه ويقرأ تحوّلاته ويعبّر عنها. ولهذا فإن الفن، مهما كانت الظروف التي تحيط به، لا يمكن أن يموت، لأنه مرتبط بوعي الإنسان وقدرته المستمرة على التعبير.
□ نعيش اليوم في زمن أصبحت فيه الصورة أسرع من الفكرة، و(السوشيال ميديا) جزءًا من تشكيل الذائقة. هل يستطيع الفن أن يحافظ على تأثيره؟
-وسائل التواصل الاجتماعي أضرّت بالفن من جهة، لكنها أفادته من جهة أخرى. لقد كشفت كثيرًا من آليات الصنعة، وجعلت الجمهور أكثر وعيًا وحساسية في عملية التلقي.
في السابق، كان الجمهور قد ينبهر بسهولة لأنه لا يعرف تفاصيل الصناعة الفنية وأسرارها، أما اليوم فقد أصبح أكثر اطلاعًا، ولم يعد كل شيء قادرًا على التأثير فيه. العمل الذي يستطيع أن يفرض حضوره هو العمل المختلف والصادق.لذلك أعتقد أن الفن لا يموت، وإنما يتكيّف مع الأزمنة ويعيد إنتاج نفسه بأشكال جديدة. وربما تكون هذه القدرة على التكيف واحدة من أهم أسباب استمراره.
□ وإذا أردنا تحديد سر خلود العمل الفني، فأين يكمن؟ في الفكرة أم الصدق أم ارتباطه بمرحلة تاريخية؟
-أؤمن بأن هذه العناصر مجتمعة هي التي تمنح العمل الفني خلوده الحقيقي. الفكرة وحدها لا تكفي، كما أن اللحظة التاريخية وحدها لا تكفي. لا بد من اجتماع الفكرة والصدق والقدرة على التعبير عن اللحظة.أي عمل يُنجز بصدق سيصل إلى المتلقي بصورة أو بأخرى، مهما تغيّر الزمن أو السياق. الأعمال الصادقة تجد طريقها إلى الناس، لأنها تحمل شيئًا حقيقيًا من التجربة الإنسانية.
محتوى سريع
□ هناك من يرى أن الذائقة الفنية العراقية والعربية تتراجع أمام موجة المحتوى السريع. هل تتفق مع هذا الرأي؟
-على العكس تمامًا. أرى أن الذائقة الفنية العراقية والعربية أصبحت اليوم أكثر حساسية ودقة في التلقي.الجمهور أصبح أكثر معرفة بتفاصيل الصناعة الفنية، بسبب الانفتاح الكبير الذي أتاحته وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك لم يعد يتأثر بسهولة، وأصبح يبحث عن المختلف والمتميز.قد تكون هناك ظواهر سطحية ومحتويات سريعة، لكن هذا لا يعني أن الذائقة العامة فقدت قدرتها على التمييز. أحيانًا يكون ارتفاع مستوى النقد لدى الجمهور دليلًا على تطور الذائقة، وليس على تراجعها.
□ من المسؤول إذن عن بناء الوعي الثقافي في المجتمع؟
-مسؤولية بناء الوعي الثقافي يتحملها الجميع: الفنان، والإعلام، والمؤسسة، والجمهور، وكذلك الفاعلون والمستقبلون في المجال الثقافي.الوعي لا يُبنى بجهد طرف واحد. نحن بحاجة أحيانًا إلى صدمات فنية حقيقية تخرج المجتمع من حالة الركود، وتدفعه إلى التفكير وإعادة النظر في كثير من المسلّمات.والفن عندما يكون صادقًا وشجاعًا يستطيع أن يفتح الأسئلة التي قد تعجز عنها الخطابات المباشرة.
□ أنت فنان من جهة، ونقيب للفنانين من جهة أخرى. كيف تــــــــدير المسافة بين حرية الفنان ومتطلبات المسؤول الإداري؟
-هذا التوازن يشكّل تحديًا كبيرًا، خصوصًا في وسط فني مليء بالحساسيات والتنوع في الرؤى والتجارب.كوني فنانًا يمنحني فهمًا أعمق للآخرين، ويجعلني أكثر قدرة على قراءة احتياجات الوسط الفني ومشكلاته. وفي الوقت نفسه، يمنحني المنصب الإداري قدرة حقيقية على إحداث التغيير، رغم وجود الكثير من القيود.لكن كسر هذه القيود ممكن من خلال العمل الأخلاقي، ووضع اللبنات الصحيحة، وبناء مسارات عمل سليمة. الإدارة الثقافية لا ينبغي أن تكون مجرد إدارة للمشكلات، وإنما يجب أن تكون محاولة مستمرة لصناعة الحلول.
□ما التحدي الأكبر الذي يواجه الفنان العراقي اليوم؟
أبرز التحديات هي قلة فرص العمل وغياب سوق حقيقي لتسويق المنتج الفني.الفنان يحتاج إلى بيئة عمل تساعده على الاستمرار، وليس إلى فرص متقطعة وموسمية فقط. عندما لا تتوفر بيئة عمل وسوق واضحة، يتحول الإبداع إلى معاناة حقيقية، وهذا ينعكس على قدرة الفنان على التطور والاستمرار.لذلك فإن بناء سوق فني حقيقي يجب أن يكون جزءًا أساسيًا من أي مشروع للنهوض بالثقافة والفنون.
□لو أُسندت إليك حقيبة وزارة الثقافة، ما المشروع الذي يمكن أن تبدأ به؟ وكيف يمكن التعامل مع ملف الفساد؟
وزارة الثقافة من أكثر الوزارات حساسية وأهمية، وإدارتها ليست بالأمر اليسير لمن يريد أن يصنع فارقًا حقيقيًا.بناء منظومة ثقافية شفافة أمر ممكن، لكنه يحتاج إلى آليات واضحة وقابلة للتنفيذ، وإلى قيادة تمتلك رؤية مستقبلية. والفساد لا يُواجه بالشعارات، وإنما بالأنظمة الواضحة والرقابة والمحاسبة واختيار الكفاءات.اختيار الفريق ليس الصعوبة الأكبر، بل الأهم هو وجود مشروع طويل الأمد. فالوزير قد يبقى أربع سنوات، لكن ما يخطط له يجب أن يستمر أثره إلى مدى أبعد من عمر المنصب.
□وسط هيمنة الشاشة والمنصات الرقمية، هل ما زال المسرح قادرًا على منافسة أشكال الفرجة الحديثة؟
المسرح، رغم تعبه وكل التحديات التي يمر بها، يبقى الفن الأكثر تماسًا مع الجمهور.عملية الخلق الفني في المسرح تحدث مباشرة أمام المتفرج، من دون وسيط. وهذه العلاقة المباشرة تمنح المسرح خصوصيته وقوته.قد يمر المسرح بأزمات، وقد تتغير أشكال التلقي، لكنه لا يموت، وسيظل واحدًا من أكثر الفنون قدرة على التأثير، لأنه يقوم على لقاء إنساني مباشر بين الفنان والجمهور.
□وماذا عن السينما العربية؟ لماذا لم تستطع الصناعة السينمائية أن تحقق الاستمرارية التي حققتها بعض التجارب العالمية؟
الصناعة السينمائية العربية جيدة في مجملها، لكنها تحتاج إلى جيل واعٍ يلامس الوجع اليومي بصدق، كما فعلت تجارب سينمائية عربية بارزة في مراحل سابقة.نحن بحاجة إلى خطاب فني جديد ولغة مختلفة تعبّر عن هموم المواطن العربي بعمق، ولكن في الوقت نفسه بجمالية عالية. السينما لا ينبغي أن تكتفي بتقديم صورة عن الواقع، بل عليها أن تفهم الإنسان داخل هذا الواقع وأن تطرح أسئلته الحقيقية.
□البنية التحتية واحدة من أساسيات النهوض بالمسرح. أين وصلت عملية تطوير المسارح العراقية؟
أغلب المسارح شهدت تطويرًا في بنيتها العمرانية، ومنها المسرح الوطني ومسرح المنصور، بينما لا يزال مسرح الرشيد بانتظار التمويل اللازم لإعادة إعمار شاملة.ولدينا أيضًا أفكار لجلب مسرحين جاهزين، أحدهما في الرصافة والآخر في الكرخ، بهدف تنشيط المسرح الشعبي وإعادة الجمهور إليه.نحن بحاجة إلى مسارح لا تكون مجرد أبنية، وإنما فضاءات حية تستعيد علاقتها بالناس، وتوفر للفنان والجمهور معًا بيئة مناسبة للإبداع والتلقي.
□بعيدًا عن النقابة والمهرجانات والمشاريع الثقافية، متى بدأت علاقتك الشخصية بالفن؟
تعرّفت إلى المسرح منذ عمر الثانية عشرة أو الثالثة عشرة، ومنذ تلك اللحظة بدأت بصقل موهبتي وتشكيل رؤيتي للحياة من خلال الفن.لم أفكر يومًا في أن أكون شيئًا آخر غير فنان، لأن الفن بالنسبة لي هو تنفسي الحقيقي، ولا أستطيع العيش بدونه.ربما لهذا السبب بقي الفن حاضرًا في كل مراحل حياتي، ليس بوصفه مهنة فقط، وإنما بوصفه طريقة في النظر إلى الإنسان والحياة.