جانب من الفن
مشتاق الربيعي
يُعدّ الفن أحد أهم ركائز الحضارة الإنسانية، فهو مرآة تعكس واقع المجتمع، ولغة عالمية تنقل رسائل الوعي والثقافة والجمال، كما يسهم في ترسيخ الهوية الوطنية وصون الذاكرة الشعبية، ويُعدّ أحد أبرز المؤشرات على رقي الأمم وتطورها.
ومن المؤسف أن المسارح العراقية، منذ سنوات طويلة، لم تحظَ بالاهتمام الذي تستحقه من حيث إعادة التأهيل والتطوير، ليس في العاصمة بغداد فحسب، بل في مختلف محافظات العراق. فقد كان المسرح العراقي يوماً من أهم المنابر الثقافية والفنية في الوطن العربي، وكانت العائلات العراقية والعربية تقصد العراق لمتابعة عروضه الراقية التي جمعت بين الإبداع والمتعة والرسالة الهادفة، وأسهمت في ترسيخ قيم الوعي والانتماء.
وقد شهدت الساحة الفنية أعمالاً مسرحية خالدة ما زالت حاضرة في ذاكرة الجمهور، من بينها مسرحيتة الخيط والعصفور وغيرها من الأعمال التي حققت نجاحاً كبيراً خلال القرن الماضي، فضلاً عن أعمال أخرى تركت بصمة واضحة في تاريخ المسرح العراقي. كما عرفت بغداد والبصرة والموصل ومدناً عراقية أخرى حركة مسرحية وثقافية نشطة، أسهمت في ترسيخ مكانة المسرح العراقي الذي عُرف بطرحه قضايا المجتمع ومعالجة هموم المواطنين بأسلوب نقدي هادف وبنّاء.
ولم يقتصر الإبداع على المسرح، بل امتد إلى السينما العراقية التي قدمت أعمالاً مهمة منذ العهد الملكي وما تلاه من مراحل، وأسهمت في توثيق جوانب مختلفة من الحياة وعكس التحولات الاجتماعية والثقافية التي شهدها البلد. كما ازدهرت دور العرض السينمائي، مثل سينما الخيام وسينما النصر وغيرها، إضافة إلى دور السينما المنتشرة في المحافظات، والتي كانت تشكل ملتقى ثقافياً واجتماعياً يرتاده الجمهور بشغف. ولم تقتصر تلك الدور على عرض الأفلام العراقية فحسب، بل استضافت أيضاً أشهر الإنتاجات العربية التي قام ببطولتها عمالقة الفن، مثل عبد الحليم حافظ وفريد الأطرش والخ ، الأمر الذي أسهم في ازدهار الحركة السينمائية وجعل ارتياد دور العرض جزءاً من الحياة الثقافية والاجتماعية في العراق.
إلا أن الفن العراقي واجه خلال العقود الماضية تحديات كبيرة نتيجة الظروف السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية، فضلاً عن تراجع الاهتمام بالمؤسسات الثقافية والفنية، مما انعكس سلباً على حركة المسرح والسينما وسائر الفنون، وأدى إلى تراجع الإنتاج الفني وإغلاق العديد من الصروح الثقافية التي كانت تمثل جزءاً مهماً من ذاكرة العراقيين.
ورغم تلك التحديات، فإن السنوات الأخيرة شهدت مؤشرات إيجابية تمثلت في بروز أعمال درامية ومسلسلات عراقية حظيت بقبول واسع لدى الجمهور، وأسهمت في إعادة تسليط الضوء على الطاقات الفنية العراقية، وهو ما يعزز الأمل بإمكانية استعادة الفن العراقي مكانته التي طالما تميز بها على المستويين العربي والإقليمي.
إن الفن، بمختلف أشكاله، يحمل رسالة إنسانية ووطنية نبيلة، ويؤدي دوراً محورياً في نشر قيم التسامح والمحبة والجمال والانتماء، فضلاً عن إسهامه في تعزيز الحوار المجتمعي وترسيخ ثقافة التعايش، لذلك فإن دعمه ورعاية مؤسساته يمثلان استثماراً حقيقياً في بناء الإنسان وصناعة المستقبل.
ولا يسعنا في هذا السياق إلا أن نشيد بالمهرجان الهلال الذهبي الذي يُقام سنوياً لتكريم الفنانين المبدعين، وبالجهود التي تبذلها نقابة الفنانين العراقيين في دعم الحركة الفنية، إلى جانب الدور المتميز الذي يؤديه الصحفي الفني حيدر النعيمي في توثيق المنجزات الفنية وتسليط الضوء على إبداعات الفنان العراقي. كما نتطلع إلى استمرار هذه المبادرات وتوسيعها، بما يسهم في تكريم المبدعين وتحفيز الأجيال الجديدة على مواصلة مسيرة الإبداع، لأن الفنان الحقيقي يعيش نبض المجتمع، ويعبر عن آماله وآلامه، ويبقى صوته حاضراً في وجدان الوطن.
إن إحياء المسارح، وتطوير دور السينما، ورعاية الفنانين والمبدعين، ليست قضايا ثقافية فحسب، بل هي مشروع حضاري متكامل يعكس رقي الأمم ووعيها بأهمية الثقافة والفنون. فالعراق، بما يمتلكه من تاريخ فني عريق وكفاءات إبداعية كبيرة، قادر على استعادة مكانته الثقافية والفنية في المنطقة والعالم، متى ما توافرت الإرادة والدعم والرؤية التي تؤمن بأن الفن شريك أساسي في بناء مجتمع أكثر وعياً وجمالاً وإنسانية.