نبض القلم
حب الحسين وزيارة الأربعين
طالب سعدون
اتسع نطاق زيارة الاربعين (الجغرافي- العددي )هذا العام ليس على مستوى العراق والمنطقة بل العالم اجمع فقد بلغ عدد الزائرين اكثر من 22 مليونا ، فيما تعدت تكاليفها المادية حسب احصائية بثها مواقع فضائي اكثر من ترليوني دولاربحساب معدل 3 وجبات يومية ولعشرة ايام فقط دون حساب الايام الاخرى ونفقات خدمات مستمرة على مدار اليوم والطرق وتكاليف فتح البيوت على طول الطرق الممتدة الى كربلاء لانها من مقتنيات الدورالثابتة ولا تدخل في الحساب ، و خرجت من هذه الممارسات الشعبية (ترندات) كثيرة لحالات نالت التميز وجعلت المواقع الفضائية والالكترونية تتناولها باعجاب ودهشة .
وهناك ظاهرة متميزة في هذه الفعالية الشعبية يندر اقامتها في مكان اخر من العالم بهذا العدد والمدة والتميز والانفاق عدا العراق على حد تعبير زائرة اجنبية عبرت عما شاهدته بتعجب واندهاش ، وليس ذلك بغريب عليهم وهم الذين احتضنوا مقامات اهل البيت العظيمة واقاموا مناسباتهم لتكون من علاماتهم الفارقة في العالم.
ان هذه الظاهرة تجعل الحسين مدرسة عالمية في التضحية والعطاء والتماسك الاجتماعي وتجعله قريبا من كل انسان يفهمه ويتعاطف مع موقفه العظيم القريب الى الفطرة والروح الانسانية ، ومع ذلك فان الكتابة عنه تكون صعبة ان لم يكن من يتصدى للكتابة عنه انسانا يؤمن بمبادئه ويتخذها طريقا في حياته، و يكون صادقا وحرا ومؤمنا بالانسان وقيمته ودوره ، ويكره الاستبداد والظلم والظلام والظالمين ، ويحمل ضميراحيا وقلبا مؤمنا نابضا بحب الخير ، وعقلا مبدعا ، وشجاعة فائقة تمكنه من قول كلمة الحق مهما كان ثمنها غاليا.. وهنا يبدأ الحصاد الحقيقي لهذا البيدر الكبير من الممارسات الايمانية الشعبية على مدى اربعين يوما بهذه الصورة العراقية المتميزة التي تعد في نظر المشاركين فيها واجبا شرعيا ؟
وكيف لا يكون حب الحسين واجبا وجده رسول الله ( ص ) جعل حبه مقترنا بحبه وارضاء له واقتداء به ( حسين مني وانا من حسين ) و( احب الله من احب حسينا) وتنفيذا لأمر الله ( قل لا اسألكم عليه اجرا الا المودة في القربى ) ..؟
وهذا الحب يفرض على المحب ان يلتزم باوامر محبوبه ويكون قدوته ومثاله ، ولذلك قال اهل البيت ( من أحبنا فاليعمل بعملنا ) .. ويختصرها الامام الصادق ع بشروط واضحة تؤكد ايمانه والتزامه بقيم الاسلام ومبادئه وهي ( من عف بطنه وفرجه وعمل لخالقه ورجا ثوابه وخاف عقابه ) ..
اذا ..الكتابة عن الحسين حب ..
فاين نحن من هذه القيم وما هو ثقلنا في هذا الميزان ؟
هنا يكون الحب الحقيقي وتتجلى أسمى معانيه في التطبيق والعمل .
لا شك ان التضحية في مشروع الحسين الاصلاحي تصل الى درجة الاعجاز ، لأنها على مقاسه الخاص ، وليس بمقدور احد غيره أن يصل اليها ، لانها واسعة وكبيرة ويصعب تحملها ، بدأت من التضحية بالمال والاهل والوقت صعودا الى التضحية بالنفس وكل ما يستطيع ان يقدمه في سبيل الله ورضاه ( إن كان هذا لا يرضيك فخذ حتى ترضى ) ..
ومع ذلك يمكن الاقتداء بالحسين في أجزاء اخرى من تضحيته الاعجازية ، كأن تكون بالمال او الوقت أو بالتخلي عن نزعة الطمع والبخل الانساني والابتعاد عن المحرمات أو بالمبادرة وإعمال العقل بطرح الافكار المناسبة للاصلاح والخطط المناسبة للتنفيذ ، ومحاربة الفساد بكل اشكاله ، لأن التنظير وحده لا يكفي و يحول المصلح الى مجرد محلل سياسي اوخبيراستراتيجي في حين تحتاج الافكار الى عقول نيرة وأياد قوية مناسبة للاصلاح والنهوض بواقع الامة.
بغياب التنفيذ يبقى الاصلاح مجرد افكار و حبرعلى ورق.
والاقتداء بتضحية الحسين ممكنة جدا لكنها تحتاج الى إنسان بدرجة إنموذج ، يكون أول المبادرين بالتضحية ليكون قدوة للاخرين، والتضحية على قدر المشروع الاصلاحي .، وهنا ياتي دور تطبيق افكار الزيارة والاستفادة منها كنموذج في التطبيق بعد المناسبة .
هكذا كانت الافكار والرسالات العظيمة ، فقد كان محمد (ص) إنموذجا ضرب الله به المثل للبشر( وانك لعلى خلق عظيم ) ..
هذه التضحية دفعت امراة اجنبية اخرى ان تقطع الاف الاميال وتعبر البحار والمحيطات لتصل الى مرقده الشريف لتعبر عن إمتنانها الشخصي للحسين لانها تعلمت منه الكثير ونهلت من قصة كربلاء التي طالعتها بتمعن وشوق لفهم معانيها الكثير من الدروس والعبر فكان (ع ) ملهمها الانساني في تضحياته التي يصعب أن تجد مثيلا لها فهي
لم تسمع أو تقرأ أو يمكن أن يحصل في يوم ما أن يواجه رجل واحد جيشا بهذه الالاف المؤلفة والحقد الاسود الذي يملأ نفوسها على حد قولها .
بعد أن حطت رحالها أمام مرقده الشريف الذي وصلت اليه مشيا على الاقدام من النجف الاشرف أعربت عن شكرها لله بايمان وخشوع وتضرع لانها في هذه البقعة المباركة مع هذه الجموع المليونية ..
وخاطبت الامام الحسين قائلة .. كنت مثالي يا سيدي في الحياة في تقديم الخدمة للانسانية والتضحية باغلى ما تملك ، وترجو من الله أن يمكنها لتقدم المزيد لكي تقترب أكثر وأكثر من الحسين الذي أصبح مثالها في الحياة والعمل الانساني عموما ، علها تلتقي به في الجنة لتعبر له عن امتنانها لتضحياته الكبيرة للانسانية فهو إمام الجميع في وقفته البطولية في كربلاء ، وليس إماما لطائفة أو دين واحد.
كان الحسين مثالها في الحياة والتضحية وتقديم ما استطاعت أن تخدم به الانسانية حسب تخصصها واهتماماتها .. -
وترى هذه السيدة في الزيارة الاربعينية تجربة انسانية رائعة تستلهم معانيها وتأخذ إعتبارها من ثورة الحسين ، تصلح أن تكون إسلوبا راقيا للحياة والعالم على مدار الايام في التعاون ونكران الذات ، كل انسان يقدم ما يستطيع للاخر ، واحد يقدم المال وأخر الخدمات ..
هذه التجربة تصلح أن تكون مشروعا للحياة ، كيف نحيا ، وكيف يعاون بعضنا الاخر، وكيف نرفض الذل والاستكانة .
دعوة من هذه السيدة الى العالم لكي يتعلم من ثورة الحسين ويعيش هذا الحدث، ونصرة الحق أينما كان .
وترى أنه عار على من يتخلى عن نصرة الحق كما هو العار يلاحق من لم ينصر الحسين .
اذا كانت هذه السيدة لم تعش الحدث في زمن الحسين، فلا تزال الفرصة مواتية للانسان لينصر الحسين بالوقوف مع الحق وضد الباطل على حد ما ترى .
ودعوة الينا أن نتعلم من ثورة الحسين وتكون درسا لنا في التضحية على طريق الاصلاح فنخصص جزءا من هذه الاموال الكثيرة ، والجهود الكبيرة لمساعدة المحتاجين على مدار السنة ، وإقامة مشاريع إجتماعية تنهض بالانسان الذي يعاني من الفقر والامية تحت شعار الخط الاصلاحي الحسيني .
كيف نجعل من هذه الممارسة الشعبية طريقا لتغيير حياتنا نحو الافضل باستغلال نفس الاسلوب في العطاء والبذل والتضحية لمساعدة المحتاجين وترك العادات السيئة التي لا تنسجم مع روح مبادى ء الحسين ويكون اثرها واضحا في سلوك الزائر العائد من كربلاء وفي علاقاته وتعاملاته اليومية مع الاخرين بلطف وتسامح وصبر والاستفادة من الدروس الدينية والاخلاقية وفي اصلاح الذات .
الحسين شهيد الاصلاح ، فان ساعدناه في إصلاح الامة نكون قد نصرناه واذا سكتنا ومنعنا الاصلاح خذلناه ونصرنا عدوه على حد ما يرى أحد المراجع الكبار .
ولا نقبل لأنفسنا الا أن نكون مع خط الحسين ..
وبذلك تكون هذه الممارسة الايمانية الشعبية في تواصل مستمر بين التطبيق والممارسة ، واتت اكلها وحققت غايتها الاصلاحية .
كلام مفيد :
من جميل ما قاله الشاعر صالح بن عبد القدوس في المنافق :
لا خير في ود امرىء متملق
حلو اللسان وقلبه يتلهب
يعطيك من طرف اللسان حلاوة
ويروغ منك كما يروغ الثعلب .
فما اروع ان يعزف اللسان والقلب معا سمونية رائعة متميزة في الايقاع والتأثيروالدخول الى القلوب مباشرة دون استئذان .