الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
عن (حريق الممالك المشتهاة)

بواسطة azzaman

أذن وعين

عن (حريق الممالك المشتهاة)

عبد اللطيف السعدون

 

وقعت في يدي، هدية من صديق، رواية «حريق الممالك المشتهاة» للكاتبة السعودية بلقيس الملحم، وكنت قرأتها للمرة الأولى عند نشرها قبل عقد، وها أنا أقرأها للمرة الثانية، وأكاد لا أصدق أن كاتبة هذه الرواية ليست عراقية أصلا وفصلا، قلبا وقالبا، وأنها لم تطف ببغداد شارعا شارعا وزقاقا زقاقا سوقا سوقا، ولم تسافر بين مدن وقرى العراق كلها، أكاد لا أصدق أنها لم تشرب من الفرات ولم تغتسل بدجلة ولم تتسلق جبال كوردستان ولم تمش الهوينا في المنصور والكرادة والأعظمية وشارع النهر يوم كانت مواكب آلهة الجمال والسحر تحرس بغداد قبل أن يطأها القادمون من القاع السفلي لدول الغرب  والجوار.

اكتشفت أن أبطال «حريق الممالك المشتهاة» يعيشون معي، وشعرت أن أحداثها ومشاهدها تحيط بي، تمر من أمامي، تلاحقني وأنا أتنقل في أرجاء الحرائق التي شبت منذ أن قدر للعراقيين أن يسقطوا في هوة الدمار والرعب والموت المجاني، وقد تعددت الأماكن الاليفة في الرواية على نحو يوثق للوجع العراقي بكل تلاوينه، ولا يهمل منه طرفا، سوق السراي، شارع الرشيد، جامعة بغداد، سجن أبو غريب، مكتبة نعيم الشطري، كرادة مريم، سوق مريدي، البياع، مقهى الشابندر، وعشرات الأماكن والدكاكين والأزقة والشرفات والناس والكتب والفضائيات، ودور العبادة.

ملحمة عريضة

بلقيس الملحم القادمة من بلاد الله اختصرت هذا كله في روايتها، وقدمت لنا ملحمة عريضة أولها أول التاريخ الذي لم يكتب بعد حيث أوصى التلمود أولاد الافاعي بان يتركوا بابل العراقية خرابا ومأوى للغربان والفئران حتى لا يجد بدوي مكانا فيها يربط فيه ناقته، ونهايتها وصية الرب لإبراهيم التي نقلها جبريل بأن لا يدع على أهل العراق وقد جعل فيهم خزائن علمه وخزائن رحمته، وقد حاولت الملحم أن تخلق نوعا من الهارموني بين الشارع والناس والموت والحرب والحب واللغة لدرجة اغراء القارئ بأن يواصل استكشاف تفصيلات الرواية من دون أن تعطي له فرصة للراحة، كما سعت لتوثيق حدث معين متصل بفقد شقيق البطلة (بلقيس نفسها فقدت شقيقها في مغامرة تحد بطولي في أحد سجون الاحتلال في العراق) لكن من دون أن يأخذ هذا التوثيق طابعا زمنيا متسلسلا، وانما انتهجت طريقة تراكم المشاهد المنتقاة بعناية من دون أن يؤطرها زمن محدد، وفقد الشقيق عند بلقيس بدا كما لو كان حكاية فقد أخوة وابناء وزوجات وأزواج وأحباء لكل الناس، بل أنها أرخت لفقدان وطن جمعت بين أناسه ألفة قيل انها لن تنفصم، لكنها في لحظة جنون شرير انفصمت، وها هي تداعياتها لحد اليوم ماثلة في اكثر من مدينة وشارع في العراق، وكأن بلقيس أرادت أن تؤرخ لحاضرنا ولقابل أيامنا أيضا، والتي تبدو أياما غارقة في المرارة، غارقة في العتمة.

نهاية مستقرة

تمنحنا الرواية احساسا بالتعاطف مع أبطلها الذين عاشوا معنا، ومع أحداثها التي تكاد تلامس وجداناتنا التي أثقلتها الأقدار بالمتاعب، ونجد الأحداث بين صفحة وأخرى تتطور لكنها لا تصل إلى نهاية مستقرة، والعراق نفسه لا يزال لم يصل، وربما لن يصل، وقد يظل أبناؤه محاطين بالقلق واللهفة والانتظار المقلق.

تمنحنا الرواية أيضا طاقة مضاعفة لا لمتابعة تفصيلاتها فحسب، إنما لمتابعة تفصيلات الحياة المحيطة بنا باحثين عن مستقر لأحلامنا وآمالنا في أن يعيش أبناؤنا وأحفادنا حياة أكثر بهجة ومتعة مما عشناه نحن، وكما تبدو الحياة في واقعها ملكا مشاعا لكل الناس فإن كاتبة الرواية تريد أن تجعل من روايتها ملكية مشاعة لكل الناس، كي تمنحهم حلما أخضر بجدوى الحياة، حلما متفردا يعطي شعورا بالمحبة والنبل والصدق، يتجاوز الحاضر الممتلئ بالمرارات لتستشرف واقعا جديدا سوف يصنعه الأحفاد، كما تفتح آفاق مستقبل تريده ونريده نحن معها أن يكون مختلفا، وعسى أن يكون!


مشاهدات 39
الكاتب عبد اللطيف السعدون
أضيف 2026/08/08 - 2:57 AM
آخر تحديث 2026/08/08 - 4:02 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 202 الشهر 7794 الكلي 16097498
الوقت الآن
السبت 2026/8/8 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير