الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
رواية وداعاً غولساري و جمالِ المُعَيديّة جميلة


رواية وداعاً غولساري و جمالِ المُعَيديّة جميلة

نعيم عبد مهلهل

 

في سبعينيات القرن الماضي، وعلى شاشة تلفزيون العراق، حيث لم تكن هناك سوى قناةٍ واحدة، اشتهر بين أوساط المشاهدين برنامجٌ أسبوعي فني كانت تقدمه السيدة الراحلة اعتقال الطائي، وكان اسمه "السينما والناس". كانت تُقدّم فيه أفلامًا سينمائية جادة، أغلبها ينتمي إلى الواقعية الاشتراكية أو أفلام الموجة الإيطالية الجديدة وغيرها، وكانت السيدة اعتقال تستضيف فيه شخصيةً ناقدةً أو أكاديميةً تتحدث عن الجوانب الفنية والإخراجية والجمالية للفيلم قبل عرضه. وأظن أن البرنامج كان يُعرض مساء كل أربعاء.

وكان الفيلم الذي يُعرض كل أسبوع، هو موضوع نقاشاتنا في الفرصة المدرسية أو في مساءات نهاية الدوام، حين يقرر بعضنا النزول إلى الجبايش بعد انتهاء الدوام والذهاب بمشحوف إلى هناك لمشاهدة الفيلم، ثم العودة بعد منتصف الليل بذات المشحوف الذي كان عامل الخدمة "شغاتي" هو من يقوده في أغلب الأوقات.

ومن الأيام التي استمتعنا فيها كثيرًا بحضورنا الأسبوعي لمشاهدة هذا البرنامج، كان يومًا احتفاليًا بالجمال والدهشة، حين كان الفيلم المعروض في ذلك الأسبوع هو فيلم "جميلة"، المأخوذ عن رواية وداعا غوليساري للكاتب القرغيزي جنكيز آيتماتوف. لا أذكر من كان ضيف البرنامج يومها، لكنه كان لبقًا وملمًّا بجوانب الفيلم في سرده التاريخي والعسكري وجانبه الفني. وكان الفيلم قد جمع مع الرواية التي كانت موجودة في مكتبة المدرسة، وقرأها الجميع تقريبًا، وهي بطباعة دار "نوفوستي" في موسكو، والتي كتب في مقدمتها الشاعر الفرنسي لويس أراغون عبارته الشهيرة: "جميلة أجمل قصة حب في العالم".

كان الخلط بين الرواية والفيلم متعةً استمرت أسبوعًا كاملًا من النقاش، جمعت بين عوالم الرواية المقروءة من قبل المعلمين والفيلم الذي شاهدناه، مما أسس لدينا ميلًا غريبًا للبحث عن روايات آيتماتوف الأخرى، ومنها روايته التي نُشرت في مجلة "الأقلام" بعنوان "الغرانيق المبكرة"، وروايته "الكلب الأبلق الراكض على حافة البحر".

وفي خضم متعة الحديث اليومي، صادف أن عرض التلفزيون في تلك الفترة نفسها فيلمًا عن الثائرة الجزائرية جميلة بوحيرد، من بطولة الفنانة المصرية ماجدة، فاحتدم الهوس الثوري بين "الجميلتين"، وشاعت روح البروليتاريا والثورة في صدور المعلمين الذين انتمى أغلبهم إلى اليسار الجميل. كان النقاش يدور حول الفيلمين، وكان أغلبهم يمتدح التقنية الفنية العالية في إخراج فيلم آيتماتوف ذي الإنتاج السوفيتي، فيما كان فيلم جميلة بوحيرد المصري ضعيفًا من الناحيتين الفنية والإخراجية.

وبعد أيام، كدنا نعبر هذا النقاش إلى فيلم آخر، حين جاء أحد المعلمين ليقول لنا إنه اكتشف شيئًا غريبًا في القرية له علاقة بالفيلم السوفيتي والمصري.

قلنا له: ما هو؟
قال: أتتذكرون تلميذةً في مدرستنا وصلت إلى الصف الثالث الابتدائي ثم تركت المدرسة، وهي اليوم صبية على أبواب الزواج؟ كان اسمها جميلة.
قلنا: نعم، وما الاكتشاف في ذلك؟
قال: هل انتبهتم إلى اسم أبيها؟ إن اسمها جميلة إبحيدر، وهو مقارب في اللفظ والصورة لاسم جميلة بوحيرد. أما الاكتشاف الأهم فهو أن ترسلوا في طلبها بحجة جرد أسماء التلاميذ القدامى، وسترونها شديدة الشبه ببطلة فيلم آيتماتوف "جميلة".

دفعنا الفضول فأرسلنا في طلب جميلة إبحيدر ووالدها بالحجة ذاتها. وعندما وقفت أمامنا، ارتسم الذهول والدهشة على وجوه الجميع، وهم يرون وجهًا قرغيزيًا جاء ليولد هنا في بيئة الأهوار. والغريب أن الوجه يحمل الاسم نفسه "جميلة"، ويشبه تمامًا ذلك الوجه الطفولي البريء الذي تخيله آيتماتوف وأسند إليه مخرج الفيلم دور البطولة.

لسنواتٍ ظل وجه جميلة المُعَيديّة، كلما صادفناه، يذكّرنا بمتعة ذلك الفيلم القرغيزي، وبوجه الثائرة الجزائرية التي تتشابه معها في موسيقى وحروف الاسم: جميلة إبحيدر.

 


مشاهدات 8
الكاتب نعيم عبد مهلهل
أضيف 2026/08/01 - 2:59 PM
آخر تحديث 2026/08/02 - 12:03 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 13 الشهر 1217 الكلي 16000922
الوقت الآن
الأحد 2026/8/2 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير