مقرمشات
كامل عبدالرحيم
تذكرتُ صديقًا هنا، لم أرَ منه إلا الخير. تذكرتُه أو افتقدتُه لأنني لم أقرأ له، ولم يتفاعل معي منذ أكثر من سنتين. كان يكتب أقوالًا مأثورة، وحِكمًا، وطُرفًا سياسية، ونقدًا قد يكون لاذعًا.
صورته تذكّرني بأكثر من شخص أليف مرّ بحياتي. خِفتُ حقًا من أن يكون قد غضب مني لأمرٍ ما، فترك صفحتي، وهذا يحدث كثيرًا. الحقيقة أنني نسيت اسمه أو عنوان بروفايله، فعدتُ إلى نصوصي القديمة، لعلّي أجد خطاه أو أثرًا له.
لم يُتعبني البحث طويلًا، فوجدتُ تعليقًا له وهو يقول: “أحبك”. كان ذلك رفعًا للكلفة بيننا، وعلى كل حال، فالتعليق مرتبط بالمنشور الذي سأنشره في الأسفل، وهو هذه المرة مُهدى إليه.
قمتُ بالرد على تعليقه: “وأنا أحبك أستاذ نعمة، وأحب مقرمشاتك”. فقد كان ينشر سلسلة من الوصلات الصغيرة والمعبرة تحت عنوان “مقرمشات”، مثل:
”الوطن
هو هذا المكان المسوّر بالمقدّس من النصوص
والمكدّس باللصوص”
أو:
“الكراهية سهلة،
أما المحبة فتحتاج نفوسًا عظيمة.
شمس التبريزي”
أو:
“إذا ملك الأراذل
هلك الأفاضل.
إمام المتقين علي بن أبي طالب”
آخر وصلة له كانت على صورة قلب، وتحتها مكتوب:
”إذا أفرحتك عثرة أخيك،
فاعلم أن في قلبك مرضًا.
نجيب محفوظ”
بعد مقولة نجيب محفوظ، توقف قلب صديقي نعمة الفرج “أبو أصيل”، بلا كلمة وداع، ولا رثاء، ولا حتى إعلان.
لم أكن أعرف بخبر موته قبل عامين، لولا تعليق يتيم لأحد أقربائه وهو يكتب: “الله يرحمك عمي أبو أصيل”.
كم روحًا تشبهنا ترحل دون أن نصافحها، وكم يلفّ الصمت، صمت القبور، قصصًا صاخبة لم يروها أحد. وكم يحمل الفراغ من “مقرمشات” لم ولن يتذوقها أحد.
وكم أنا حزين يا أستاذ نعمة، لأنك لن تستطيع قراءة ما كتبت. لكني أهدي هذا النص الذي علّقتَ عليه بـ”أحبك” إلى روحك المثقفة التي انسحبت بهدوء.
أحبكم
ما زالوا يجيئون… في الحلم… صغارًا وبملابس العيد.
رغم إفلاسي… أُعطيهم العيديات.
نقودًا ملوّنة بصور الملوك المقتولين،
وقادة مهزومين… يقودون جيوشًا تائهة.
ورغم خَرَسي… أُغني لهم أغانيّ الجميلة.
يضحكون… وأنا أرقص لهم… رغم ساقي المقطوعة في الحرب.
أناديهم بكل الأسماء… ويطلبون مني بكل الآباء.
وقبل أن ينتهي الحلم… أتذكر:
أنني متُّ منذ زمن طويل.
من أنا؟… بل… من هم؟
أُحبّهم يا ناس… وسأحبّهم،
في الحلم… أو حياةٍ أخرى… أو في ذلك الزمن الجميل.