الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
لماذا لا تكفي محاكمة الفاسدين لإصلاح الدولة ؟

بواسطة azzaman

جذور الخراب المؤسّسي

لماذا لا تكفي محاكمة الفاسدين لإصلاح الدولة ؟

محمد الربيعي

 

يخوض العراق اليوم مرحلة مفصلية جديدة تتسم بالملاحقة الجادة لشبكات الفساد، بعد عقود طويلة طغى فيها الافلات من العقاب، حيث تفرض مشاهد المداهمات الامنية، ومصادرة الاموال، واعتقال مسؤولين كبار حضورا طاغيا على المشهد العام، مما منح الشارع العراقي شعورا بالعدالة طال انتظاره. غير ان الواقع يثبت دائما ان هذه المقاربة القضائية والامنية، على اهميتها القصوى بكونها خطوة اولى لا مفر منها، لن تكفي وحدها لاستئصال ورم الفساد المزمن ما لم تُفكك مسبباته الهيكلية من الجذور، فالتركيز على ملاحقة السارق وتناسي الخزنة المفتوحة يظل الخطأ الاستراتيجي الاكبر الذي يهدد استدامة هذا النهوض القضائي.

وحين ينجح موظف حكومي واحد في تجميع ثروات فلكية، فان المشكلة تتجاوز مجرد الجشع الفردي لتكشف عن كفاءة النظام الاداري الموروث في تسهيل الجريمة وشرعنتها في وضح النهار.

احجام مليارية

وفي الادارة الحديثة، لا يمكن للفساد ان يبلغ هذه الاحجام المليارية المرعبة في مؤسسات الدولة الا اذا كان مدعوما بيئة حاضنة يرعاها فاسدون تتغذى على غياب الحوكمة والرقابة الاستباقية الفورية التي تمنع حركة الاموال المشبوهة قبل خروجها او اختفائها، الى جانب الاعتماد المفرط على المعاملات الورقية والنقدية السائلة بدلا من الانظمة المصرفية الرقمية الشاملة، فضلا عن تفصيل القوانين واللوائح الادارية القديمة داخل الوزارات لتمنح المسؤولين صلاحيات مطلقة في توقيع العقود والمشتريات دون تدقيق من طرف ثالث مستقل ونزيه.

وعندما تتحول المؤسسات الحكومية بفعل هذه الثغرات الى بيئة صديقة ومريحة للفاسدين، تصبح عملية الاصلاح عبر المحاكمات الجارية الان اشبه بمحاولة لتجفيف المحيط بملعقة صغيرة ان لم ترافقها ثورة ادارية حقيقية، حيث توفر الانظمة المتهالكة للمسؤول الفاسد الفرصة الكاملة والحصانة البيروقراطية والامان التام من المحاسبة الفورية.

ان انطلاق عمليات الملاحقة والتحرك القضائي الحالي يعطي مؤشرا حاسما بان الوقت قد حان لعملية هندسة عكسية واعادة بناء شاملة للنظام الاداري العراقي وليس مجرد ترميم تجميلي، وهو نهج اثبتت تجارب دولية عديدة نجاحه. فعلى سبيل المثال، في مولدوفا، اسهمت رقمنة الخدمات الحكومية في تبسيط الاجراءات التنظيمية، مما حد من معدلات الفساد وخفض تكاليف الامتثال، وهو نموذج يُظهر كيف يمكن للاتمتة ان تغلق منافذ الفساد اليومية . وفي الهند، ادى تطبيق نظام الامتحانات الالكترونية لاعتماد المعلمين الى القضاء على دور الوسطاء والمحسوبية، فيما ضمنت التحويلات المباشرة للمنافع وصول الدعم الى مستحقيه دون تسرب او اختلاس . اما في نيجيريا، فقد اطلقت بوابة الكترونية لادارة المالية العامة لرصد الانفاق والحد من مخاطر الفساد، مما يجسد كيف يمكن للشفافية الرقمية ان تكون رادعا فعالا . وحتى على صعيد التعقيدات العابرة للحدود، يعمل البنك الدولي مع شركائه على تعزيز انظمة الشفافية في الملكية الحقيقية للكيانات التجارية، لتجفيف منابع اخفاء الاموال المنهوبة وتهريبها.

قوانين داعمة

ومع ان تطبيق الحلول التكنولوجية يتطلب بنية تحتية متينة وقوانين داعمة وكوادر مؤهلة، الا ان تجارب هذه الدول تثبت ان تدمير شبكات الفساد بشكل نهائي لا ينتهي عند زنازين السجون، بل يجب ان ينطلق بالتوازي من غرف صياغة وتشريع القوانين التي تقفل الثغرات الادارية، والغاء الصلاحيات الاستثنائية وتفكيك بيروقراطية المحاصصة، وصولا الى تحويل المعاملات والاجهزة الحكومية بالكامل الى الفضاء الرقمي عبر الاتمتة الشاملة. وفي النهاية، تبقى ملاحقة الفاسدين التي تشهدها البلاد اليوم خطوة شجاعة وضرورية، ولكن بدون احداث هذا التغيير الجذري في المنظومة الادارية، الذي اثبتت التجارب العالمية انه الركيزة الاساسية لأي اصلاح حقيقي، ستبقى الاموال العامة عرضة للاستباحة والتهريب، وسيبقى كل فاسد يقبض عليه مجرد مساحة شاغرة تفتح الباب مستقبلا لظهور لصوص جدد يستغلون التسهيلات الثابتة ذاتها التي تركها اسلافهم.

بروفيسور متمرس في جامعة دبلن


مشاهدات 40
الكاتب محمد الربيعي
أضيف 2026/07/25 - 1:37 AM
آخر تحديث 2026/07/25 - 3:52 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 281 الشهر 26861 الكلي 15931988
الوقت الآن
السبت 2026/7/25 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير