الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
زهللة

بواسطة azzaman

زهللة

خالد محسن الروضان

 

«زهللة» كلمة شعبية متداولة بين أهالي جنوب العراق، ولا سيما في ريف مدينة العمارة. وهي ليست مجرد مفردة في اللهجة المحلية، بل تعبير عن حالة من الفرح الجمعي التي ترافق الأعراس والمناسبات السعيدة، حين تتعالى أصوات الطبول والموسيقى، وتنساب الأغاني بأطوارها الريفية الأصيلة، فتلامس الوجدان وتوقظ في الإنسان إحساسه بالحياة. هناك، كانت العيون تبتسم، والقلوب تنبض بالأمل، والفرح يولد من رحم الواقع البسيط.

كثير من المواقف والأحداث تمر في حياة الإنسان ثم يطويها النسيان، لكن بعض الكلمات تبقى كامنة في الذاكرة، تستيقظ فجأة حين يعيدها مشهد أو موقف إلى الواجهة. وهكذا عادت إليّ كلمة «زهللة» وأنا أشاهد حفل افتتاح كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة الأمريكية.

كانت العروض لوحة إنسانية مبهرة؛ موسيقى، ورقص، وألوان زاهية، وأصوات تحتفي بالحياة، كأنها فسيفساء عالمية تجتمع فيها ثقافات الشعوب في رسالة واحدة مفادها أن الفن لغة إنسانية تتجاوز الحدود. شعرت يومها أن تلك اللوحة ليست غريبة عن ذاكرتنا العراقية، بل أعادتني إلى أيام كنا نصنع فيها الفرح بعفوية، ونغني للحياة دون خوف أو تردد.الثقافة والفنون ليستا ترفًا، بل هما منجز حضاري يقاس به رقي الأمم. وحين يغيب الفن، تتراجع إنسانية المجتمع. ولعل المقولة الشهيرة: «كل قائد لا يجيد الرقص، يخسر جزءًا من إنسانيته»، وإن جاءت بصيغ مختلفة، تحمل معنى عميقًا، فالمقصود ليس الرقص بذاته، وإنما القدرة على التفاعل مع الجمال والحياة والانفتاح على الفرح.

لكن السؤال المؤلم هو: أين ذهب ذلك الإنسان الذي كان يعرف معنى «الزهللة»؟

كيف تحول مجتمع كان يحتفي بالغناء والفرح إلى مجتمع يخشى الموسيقى، ويحاصر الابتسامة، ويُضيّق على الشباب في ملبسهم وسلوكهم، حتى أصبح اللون الأسود رمزًا دائمًا للحياة، لا للحزن العابر؟ كيف وصلنا إلى مرحلة يُنظر فيها إلى كرة القدم والغناء والرقص بوصفها ترفًا أو خطيئة، بينما تُترك الكراهية والعنف لينموا في النفوس؟لقد شهد العراق، خلال العقود الماضية، ممارسات قاسية ارتُكبت باسم المقدس، فغُيبت قيم الجمال، وصودرت مساحات الفرح، وتراجع حضور الفن الذي كان يومًا جزءًا أصيلًا من الشخصية العراقية.

مدينة العمارة، ذات الامتداد السومري العريق، لم تكن يومًا بعيدة عن الموسيقى. فمن أرضها وأرض الرافدين انطلقت القيثارة السومرية، إحدى أقدم الآلات الموسيقية في التاريخ، ومنها خرجت أولى تراتيل الإنسان وهو يحتفي بالحياة. ولذلك فإن الابتعاد عن الفن ليس ابتعادًا عن مظاهر الترف، بل هو ابتعاد عن الجذور الحضارية التي صنعت هوية العراق.

إن الإنسان خُلق ليحب، لأن الحب هو أساس الحياة، وهو القوة التي تبني الأوطان وتحمي المجتمعات من الانغلاق والكراهية. وبعد كل ما مرّ به العراقيون من حروب، واستبداد، وعنف، وانقسامات، آن الأوان لأن يشهر الإنسان سيف الوعي في وجه الوحش الذي يريد قتل الفرح في داخله.

لقد كان العراق، عبر تاريخه، قبلةً للمشرق والمغرب، ومركزًا للإشعاع الفكري والحضاري. ومن أرضه انطلقت المدارس الفكرية والفقهية والفلسفية والأدبية التي أثرت الحضارة الإنسانية. غير أن المواطن العراقي يجد نفسه اليوم حائرًا وسط صراعات فكرية واجتماعية متشابكة، لا يدري أي طريق يسلك.

إن مواجهة هذا الواقع لا تكون إلا بإرادة وطنية واعية، تعيد الاعتبار للثقافة والفنون والتعليم، وتبني جسورًا حقيقية بين الماضي العريق والحاضر المتعثر، ليصبح المستقبل امتدادًا طبيعيًا لحضارةٍ عرفت كيف تصنع الحياة، لا كيف تطفئها.

ولعل أول خطوة في هذا الطريق هي أن نستعيد معنى تلك الكلمة البسيطة التي حملت في داخلها فلسفة كاملة للحياة... «زهللة»؛ أي أن نحتفي بالحياة، وننتصر للجمال، ونؤمن بأن الفرح ليس نقيض الإيمان، بل أحد تجلياته الإنسانية.

 

 


مشاهدات 19
الكاتب خالد محسن الروضان
أضيف 2026/07/22 - 3:32 PM
آخر تحديث 2026/07/23 - 1:56 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 142 الشهر 24613 الكلي 15929740
الوقت الآن
الخميس 2026/7/23 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير