في الذكرى الثانية عشرة لرحيله
تعليق الومضة .. زيارة سرية لمشغل حسين عبد اللطيف الشعري
محمد سهيل احمد
يفتقد المشهد الشعري بوجه خاص والثقافي بوجه عام حضور الشاعر الصديق حسين عبد اللطيف ، شاعر الإلفة والغرابة ، شاعر الاصدقاء الذي رحل في حي ( الاصدقاء ) بضواحي البصرة . مثلما يفتقد لمساته وخربشاته ، حسه النثري والشعري ، صمته ، تمرده وصرخاته وايماءاته . وما يسعنا الا استذكار حضوره المفتقد بضراوة ودوره في بلورة وتجسيد عدد من الظواهر الشعرية التي تسم القصيدة الحديثة ، لا في البصرة بل ضمن المشهد الشعري العربي بشكل عام . والسطور التالية قراءة انطباعية لمفردات اسلوب الراحل الشعري ارتأينا نشرها من باب اضعف الأيمان ليس الا ..
* يورد غريغوري جوزدانيس اربعة جوانب تمييز ما يمكن ان يطلق عليه بـ ( الالهام )او ( الومضة الشعرية ) عن مجمل التجربة الادراكية العادية . هذه الجوانب تتلخص في :
أـ ان الالهام مباغت ويأتي دون بذل جهد ودون تمهيد
ب ـ انه لا إرادي اي انه آلي
ج ـ يشعر كاتب النص باستثارة وسرور في اثناء حياته .
د ـ يبدو النص غير مألوف حتى لكاتبه ، وكأنه لم يؤلف من قبل :
"لم يعد يتناسل الا السر
لم يعد يخضر الا الخريف
لم يعد يستغلق الا البرهان
لم يعد يتنمر الا الذهب "
/ من ديوان لم يعد يجدي النظر /
التعليق .. كيف ولماذا ؟
يعمد شاعر من معدن حسين عبد اللطيف الى تعليق جانب من نصه الشعري لكونه ، في المقام الأول معنيا بالغياب قبل احتفائه بالحضور : "في بلدة آمالي
لا توجد
اطلاقا
شجرة "
/ نص (هكذا دائما ) /
كما يوفر الشاعر لقصيدته جوا غرائبيا يتماهى عبره مع غرائبية الواقع نفسه :
" كانت الى الجيرانيوم أقرب
وكانت للّبلاب ــ حبل الفقراء ــ اقرب "
نص / في عداد الذكرى/
يعمد الشاعرالى تسكين بروقه ورعوده ، كما يفعل لاعب للكرة من اجل نص متعدد الاشعاعات حيث الجوهري يسبق اليومي والجمعي يميل باتجاه العام . ان شعر حسين عبد اللطيف شأنه شأن اشعار الهايكو والابونشياد والنرفانا زاخر بالحكمة ومرارة التجارب واللمسة الخفية للأشياء ، بأوقات منسلة كاللصوص ، بأكاسير سعادة مختلسة . نعتقد شخصيا ان حلاوة البحر المريرة او مرارة البحر المحلاة تشكلان واحدا من اعمدة شعر حسين عبد اللطيف .
من خلال تجسيد المعنى ـ الدلالة الذي يعد السمة الكبرى لمنجز حسين الشعري في معظمه ، عدا بعض الاستثناءات ، دأب الراحل على تعليق لحظته الشعرية بالطريقة نفسها التي يضيف آجرة تلو آجرة الى هيكل القصيدة . فالنص لديه يلملم اشلاءه ويعقص على صرة شظاياه ساكبا خلاصاته : وحدة العمل ، الذائقة والعطر اللامتبدد في قوالب تتمرد على نفسها . ان شاعرا يعي خطورة المفردة ، كحسين عبد اللطيف يدرك تماما خطورة الشعر حيث الكتابة لا تنجز تحت ظلال الزيزفون ، ربما ، بل تحت ظلال المقصلة ! لقد جعل ابن المقفع كتابه الذائع الصيت ( كليلة ودمنة ) على السن البهائم والطير " صيانة لغرضه فيه عن العوام وضنا بما ضمنه عن الطغام وتنزيها للحكمة وفنونها ومحاسنها " . ومع ذلك دفع حياته ثمنا لاستحقاقات سياسية وها هو حسين عبد اللطيف يقول :
" اقول : يا نفسي
ــ اخيفها من سطوة الابريق والكرسي ــ
اياك ِ يانفسي .. ان تجلسي .. يا نفسي
اراه مثقوبا هو الكرسي
لكنها نفسي
جريا على عادتها تعزو
رداءة الحال
الى
الطقس ِ "
من قصيدة ( قناع)
ويعلق الشاعر لحظته الشعرية كي يوفر نصا هو اقرب للتكامل منه الى التسرع والابتسار والتفسير الأحادي المسطح مؤجلا اتمام قصيدته بحثا عن نص يحقق تناغما ايقاعيا موسيقيا له تأثيره الجوهري على طقس النص وصلته بالثيمة المركزية ، من جهة ، وبالثيمات المتحلقة حول بؤرة المركز من جهة اخرى:
" قطار الحمولة
قطار الليالي
قطار السنين الخوالي
الى اين تمضي بركابك الميتين ؟ "
/ قصيدة ( قطار الحمولة ) /
ظل تعليق الومضة الشعرية علامة بارزة من علامات شعر حسين عبد اللطيف ، تجلى عبر نصوصه الشعرية المبكرة التي نشر قسما كبيرا منها في ديوانه الأول ( على الطرقات ارقب المارة ) حيث الهيمنة للمفردة الشعرية الحافلة بالإشعاع ، وهي المرحلة التي عكست تأثره بالأساليب الشعرية التي اقترنت بجهود شعراء مجلة ( شعر ) و (حوار ) ( مواقف ) والتيارات التي حمل راياتها بيان عام 69 الشعري ، ومن ثم انتقاله الى مرحلة تجلى فيها بمزيد من العناية بالحالة الشعرية دون التفريط بالدور الاشعاعي العلائقي للمفردة الشعرية :
" البحر .. جرح يصيح
مرتجف الأعضاء .. كالأغصان
البحر ظل شاحب "
/ من ديوان ( لم يعد يجدي النظر ) /
من هنا نستخلص ان شعر الراحل كان ابعد ما يكون عن شعر المناسبات والمنبريات الماطرة من سحب الالهام ، فكل مفردة يجري انتقائها بعناية فائقة خدمة للحالة الشعرية . كان حسين سيزيفا آخر نقش في صعوده كلمات نصوصه الشعرية على أظافره مستعينا بضوء كائن متناه في الصغر اسمه القطرب !
---------------------------------------------
* حسين عبد اللطيف العبيدي من مواليد بغداد 1945 . انتقل للبصرة وهو في السابعة من عمره . كان له تاثير طاغ على عدد من الشعراء وكتّاب السرد في البصرة وفي عموم العراق والوطن العربي. اصدر ديوانه الأول ( على الطرقات ارقب المارة ) عام 1977 عن دار الشؤون الثقافية في بغداد . كما اصدر دواوين اخرى : ( نار القطرب ) 1994 عن دار الجمل ، ( امير من اور ) و ( وحيدا على الساحل تركتني المراكب ) عن دار ازمنة بعمان، وكتب نقدية . رحل في العاشر من تموز 2014 .