نبض القلم
الشهادة حياة..
طالب سعدون
الشهادة ليست فناء ونهاية بل هي خلود وبداية ..
هكذا هي كربلاء كانت وستبقى نبراساو ضميرا حيا خالدا تستلهم منه الاجيال الدروس في الدفاع عن الحق والكرامة وقول كلمة الحق مهما كان ثمنها غاليا .
وتلك هي ثورة الحسين لها قياسها الخاص بين الثورات على مر التاريخ والى ان تقوم الساعة ..
فهي حدث استثنائي لا تنطبق عليه المقاييس التقليدية المتعارف عليها في السياسة ، فيها بعد روحي ورؤية واستشراف للمستقبل ولذلك يتجاوز اثرها اللحظة التاريخية لتكون ملهمة للبشرية في المقاومة ويمتد اثرها الى كل العصور والازمان .
ومن هنا فان كربلاء لم تكن مجرد مدينة وارض وماء وهواء بل تاريخ ورمز وضميروستبقى انشودة الحرية في فم الاجيال الى ان تقوم الساعة ..
ووفق هذه الرؤية والمهمة فان مصطلح الثورة لوحده قد لا يكون صفة ، أو كلمة دقيقة تناسب الوقفة الفريدة للامام الحسين ( ع ) ، فهي خاصة به لا يناظرها موقف أخر في الوسيلة والهدف والتضحيات ، لأن الثورة ، وإن كانت في أحد معانيها ، رفضا لواقع سيء ، وطموحا نحو الأفضل ، لكن ليس بالضرورة أن يتحقق الأفضل ، بل قد تكون نحو الاسوأ ، وإن تحقق الافضل ، فقد لا يكون هناك ضمان باستمرار التقدم والنهوض والتطور في كل المجالات بما يناسب الآمال والتضحيات معا ، أو عدم حدوث تراجع عن ذلك ( الافضل ) مع الزمن ، أو إنحراف ثوارعن منهج الثورة ، لينتهي بهم المسارخارجها ، أو إنحراف الثورة نفسها عن خطها الذي رسمته لنفسها ، حتى وان كانت بسبب ظروف صعبة خارج إرادتها ، تضطرها الى التكيف مع الواقع الجديد.
لكن في وقفة الحسين خصوصية فهي تعد امتدادا طبيعيا وتاريخيا لرسالة جده رسول الله ( ص ) ، وتحقيق التواصل بدون إنقطاع ، الى أن تقوم الساعة ، لانه خرج لطلب الاصلاح في أمة جده ، كما قال عليه السلام ، دون ان تثنيه الصعاب وجبروت القوة ، عن تحقيق ذلك الهدف السامي .
وعندما نقول الحسين ليس ثورة فقط ، لا ننطلق من التنظير الفكري ، أوالتعريف المدرسي للثورة ، أوالنخبة ، أو الطبقة التي تقوم بها ، أو تمثلها ، اوعندما تاخذ صيغة الانقلاب مثلا ، بل من الواقع العملي لتجارب كثير من الثورات ، وكيف إنتهت ، أوالتغيرات التي تطرأ عليها ، وهي لم تكن من طبيعتها أو أهدافها، بينما وقفة الحسين لا تزال الى اليوم مستمرة في عطائها ، وخالدة في مضمونها الرسالي والروحي ومبادئها التي تحرك العقل وتوقض الروح عند أي رافض أو ثائر ، ضد الظلم والفساد والاستبداد والقهر والتعسف والجور والتميز بدون حق والاستئثار بالمال العام لاغراض شخصية .
لقد جعل الحسين من تلك المبادىء العالية طريقا يمكن ان تستفيد منه الانسانية في تحقيق سيادتها واستقلالها ، ورفض الظلم والعبودية ، ويكون قدوة للتخلص من الاستعمار ، عندما يفضل الموت الكريم على الحياة الذليلة ، كما يقول ( موريس دو كابري ) .
وعندما نرى إستمرار وهج مبادىء الحسين مستمرة مع الزمن ، رغم تقلب الانظمة والأمزجة ، فهذا يعني أن وقفته خارج قياس الزمان والمكان المتعارف عليه في الثورات العادية .
لقد اعطى التفاوت في العدة والعدد بين الطرفين ، وهو خارج السياقات التقليدية المادية في الصراع قيمة تاريخية لوقفة الحسين ، فقد جعل الحسين ليس إسما ، وانما عنوان لكل موقف يجسد معنى البطولة والفداء والتضحية بالغالي والنفيس من اجل العقيدة والمبادىء ، مهما كان جبروت الطغاة وتعسف الظلام ، فاثمرت وعيا في نفوس الاجيال المتعاقبة يشدها الى الكرامة ورفض الذل والوقوف ضد الظالمين .
وسيبقى الحسين عليه السلام نبراسا للمظلومين ما دام هناك ظلم ، وصراع بين الحق والباطل والخير والشر ، ورمز الثبات على المبادىء مهما غلت التضحيات ، ليكون درسا لمن يكون في الصفوف الامامية من المسؤولية ، بأن التضحية ، والالتزام بالمبادىء يمنحان المشروعية والشرعية للحاكم ، وأن القرب من مصدر الاشعاع ، وهو جده رسول الله ( ص ) فرض عليه مسؤولية التصدي للانحراف ، وليس الاستئثار بمنصب أو مغنم .
وكان أصحابه مثالا أخر على قوة المبادىء وثباتها في العقول والضمائر ، وتستحق التضحية بالنفس من أجلها ، بحيث تركوا المال والجاه والمنصب الذي يمكن أن يوفره لهم الطرف الاخر ، وأقبلوا على الحسين ، رغم معرفتهم بأن مصيرهم سيكون الشهادة والموت ، وكانت أمنية الاماني بالنسبة لهم أن يقتلوا مرة بعد أخرى بين يديه ..بينما قال من جنده الطرف الاخر لقتل الحسين واراقة الدماء ( كم تدفع لنا من المال ) على حد قول العالم والاديب جورج جرداق ..
وشتان بين الموقفين ...
وبذلك كانت الشهادة حياة للرسالة ..
كلام مفيد :
عندما تفشل في ان تمنح حق نفسك عليك ، ليس بمقدورك ان تنحج في ان تعطي حق الاخرين عليك .