واقعة الغدير.. جغرافية المكان ودلالة الحدث
حسين الزيادي
لقد تركت واقعة الغدير بصمات جلية على وجه التاريخ لأنها لم تكن هامشية أو طارئة، تظهر حيناً وتختفي حيناً آخر، فهي حدث خالد بخلود الزمن ، واحاديث تلك الواقعة التي أجهدت العلماء على كثرتها مازالت تحفر في ذاكرة الزمن خلودها الابدي ، فلا يمكن لاحد انكار واقعة الغدير او يشكك بها بأدنى مراتب التشكيك، لأنها من الحوادث المؤكدة التي تواترت الاخبار بذكرها وتناولها الباحثون على اختلاف تخصصاتهم واتجاهاتهم ، كما تناولها بالذكر جملة من المؤرخين نذكر منهم : جلال الدين السيوطي، وابن حجر العسقلاني ،والخطيب البغدادي ،والبلاذري ، وابن كثير ، وابن قتيبة، وابن عبد البر، وياقوت الحموي، وابن عساكر، وابن الاثير، وابن ابي الحديد ، والطبري ، وابن خلّكان، واليافعي، وابن خلدون، والذهبي ، وابن الصباغ ،والمالكي، والمقريزي، ونور الدين الحلبي وغيرهم كثير .
الموقع الجغرافي
غدير خم: موضع بين مكة المكرمة والمدينة المنورة ، وهو إلى مكة أقرب منه إلى المدينة. وبينه وبين الجُحفة ميلان، وهناك عين نضّاحة إلى الشمال الغربي من الغدير، يجري ماؤها في مسيل غير طويل فينتهي إلى غدير حوله غيضة فيها أجمة من شجر الطَّلْح وهو نوع من شجر العِضَاه ترعاه الإبل ، ويُشاهَد هنا وهناك أشجار السَّمُر وهو ضرب من شجر الطَّلْح، وليس في العِضَاه أجود خشباً منه وتنتشر اجزاء متناثرة منه في ذلك الموضع ،وعلى الرغم من وجود الموقع في طريق الهجرة النبوية وله اهمية استراتيجية كونه يفرق الطرق الى انحاء وجهات متعددة، الا ان الاهمية الحقيقية اكتسبها الموقع تعود الى شهرة حديث بيعة الغدير وتواتره.
الخصائص الجغرافية
الغَدِيرُ هو المياه الراكدة، ذات العمق القليل، يغادرها السَّيلُ ، او مستنقع الماء هو النهر الصغير غديرا الوجنتين : مجريا الدَّمع في الوجنتين ، لحيا الغدير: جانباه غَديرُ النّباتِ : قِطْعَةٌ مِنْهُ ، ويحتوي غدير خم على جملة من الظواهر الطبيعية والبشرية التي تميز المنطقة عما يجاورها ويكسبها صفة خاصة ومنها: العين، و الغدير ، والشجر، ويمكن تصوير عظمة يوم الغدير من مجموع رواياته بما يلي:
1. اقترن إبلاغ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) للأمة ولاية علي (عليه السلام) بظروف ومميزات خاصة، مثل الاجتماع الكبير، والأسلوب الخاص في البيان، والمنبر الخاص الذي تفرَّدت به هذه الواقعة التاريخية، وأنها تزامنت مع وداع النبي (صلى الله عليه وآله) لأمته، وهي خصوصيات فريدة تدل على حرص النبي (صلى الله عليه وآله) على تحصين الإسلام من أي تحريف داخلى أو عدوان خارجى.
2. لم يطرح النبي (صلى الله عليه وآله) قضية الإمامة في يوم الغدير وبعده بصورة توجيهات ونصيحة، بل بصورة حكم الهى وأمر نبوى، ولذلك اقترن إعلانها بأخذ البيعة لعلي (عليه السلام) من جميع المسلمين.
3. تميَّز إعلان الغدير بظرفه الجغرافي في ملتقى الطرق في الجحفة قبل أن يتفرق المسلمون في طريق عودتهم إلى أوطانهم، وبالصيف الحار الذي كان في تلك الأيام الثلاثة في تلك الصحراء الملتهبة.
بيعة الغدير عند ائمة الحديث
اسهب أئمّة الحديث على اختلاف توجهاتهم في ذكر الحديث عن بيعة الغدير ومنهم: ابن ماجة ، والإمام الشافعي، والحاكم النيسابوري وأحمد بن حنبل، والترمذي، والنسائي، وأبو يعلى الموصلي، والبغوي، والطحاوي، ، وابن المغازلي، والخطيب الخوارزمي، ومحب الدين الطبري، والحمويني، والهيثمي، والجزري ، والقسطلاني، والمتقي الهندي، وتاج الدين المناوي، وأبو عبد الله الزرقاني، وابن حمزة الدمشقي وغيرهم كثير ، وقد أشار العلامة الأميني أن رواة حديث الغدير من الصحابة يبلغون مائة وعشرة صحابياً، أما رواته من التابعين فهم أربعة وثمانون تابعياً، بينما بلغ عدد من نقلوا الحديث من أئمة الحديث وحفّاظه والأساتذة ثلثمائة وستون، فضلاً عمّن ألّفوا من الفريقين في الغدير، والذين بلغوا حسب إحصاء العلامة الأميني ستة وعشرون؛ منهم الطبري صاحب التأريخ، وابن عقدة والجعابي وغيرهم كثير.
حديث الغدير عند المفسرين
لم تحظى حادثة تاريخية في التاريخ الإسلامي بمثل ما حظيت به واقعة الغدير، وقلّما استقطبت اهتمام الفئات المختلفة من المحدّثين والمفسّرين والكلاميين والفلاسفة والأُدباء والكتّاب والخطباء وأرباب السير والمؤرخين كما استقطبت هذه الحادثة، وقلّما اعتنوا بشيء مثلما اعتنوا بها، وقد خاض كبار المفسرين في حديث الغدير وذكروه في كتبهم وتفاسيرهم ومنهم: الطبري، والثعلبي، والواحدي في أسباب النزول، والقرطبي، وأبو السعود، والفخر الرازي، وابن كثير الشامي، والنيسابوري، وجلال الدين السيوطي، والآلوسي، والبغدادي، وذكره من المتكلّمين طائفة كبيرة.
إنّ حديث الغدير منذ صدوره من منبع الوحي، تسابقت الشعراء والأدباء على نظمه، وانشاده في ابيات وقصائد امتدّت رقعتها منذ عصر انبثاق ذلك النص في تلك المناسبة الى عصرنا هذا، وبمختلف اللغات والثقافات، وقد تمكّن البحّاثة المتضلّع العلاّمة الأميني من استقصاء وجمع كل ما نظم باللغة العربية حول تلك الحادثة، والمؤمّل والمنتظر من كافة المحققين على اختلاف ألسنتهم ولغاتهم استنهاض هممهم لجمع ما نظم وأُنشد في أدبهم الخاص.
شهرة الحديث
اما اسباب شهرة الحديث وتواتره فتعود الى امور عدة يمكن اجمالها بالاتي :
ادلى النبي بالحديث في اجتماع حاشد ضم ما يربو على مائة ألف من المسلمين.
كان الحديث بعد رجوعه صلى الله عليه واله من أداء مناسك الحج في آخر سنة من حياته المباركة. ولايخفى ان موسم الحج يعد بمثابة مهرجانا اعلاميا كبيراً.
المنطقة التي ادلى بها النبي بهذا الحديث هي ارض خم التي تعد مفرق طرق يتفرق عنده المسلمون باتجاهات متعددة .
ان خلافة النبي صلى الله عليه وآلة ليست بالأمر اليسير، فالمسلمين على اختلاف توجهاتهم كانوا يفكرون ويبحثون عن ذلك، وكلما تم التطرق لهذا الموضوع فان حديث الغدير سيكون حاضرا بالأذهان .
ان الحديث من الاحاديث المتأخرة في حياة النبي صلى الله عليه وآلة لذا فان وفاة النبي جعلت الناس تستذكر الاحداث الاخيرة من حياة النبي بكل تفصيلاتها.
امتازت بيعة الغدير بالأسلوب الخاص في البيان والتعبير اللفظي والجسدي.
تحظى خلافة النبي الكريم بأهمية كبيرة لان على عاتقها تقع مهمة الحفاظ على الدين ومتابعة نشر الاسلام، لذا لم تكن خلافة النبي مسألة عابرة او ثانوية.