ساحة السباع.. كيف تحوّل قلب العراق الثقافي إلى مكبّ للنفايات؟
شوقي كريم حسن
[ليس هذا الذنب ذنب الشعب بل ذنب الولاة..وجهوا الأمة توجيه فناء لا حياة وتواصوا قبل أن تفنى بنهب التركات وإذا الحراس للبيت لصوص: أين حقي؟!!]
*لم يك الخراب يبدأ من السياسة وحدها، بل يبدأ يوم يصمت الشعر، ويوم يتقاعد المثقف عن الغضب، ويوم تتحول الساحات التي كانت تصنع الوعي إلى أمكنة مهجورة تنام فيها النفايات والكلاب والذكريات المعطوبة…ساحة السباع لم تك مجرد مساحة إسمنتية في بغداد، بل حنجرة العراق حين كان يمتلك صوته. هناك، في تلك المسافة التي تضجّ بالباعة والطلاب والشعراء والعمال والحالمين، كانت القصيدة أخطر من الرصاص، الهتافات تسقط وزارات كاملة. من تلك الساحة العراقية، بكل ألوانها ولهجاتها وفقرها ونبلها، خرجت قصائد محمد صالح بحر العلوم قنابل مؤقتة تهزّ السلطة وتربك الجنرالات وتفتح أبواب الأسئلة في عقل العراقيين. لم تك القصيدة زينة لغوية، بل محكمة شعبية، وغدت الثقافة آنذاك فعلاً نضالياً لا وظيفةً حكومية ولا منشوراً ممولاً على فيسبوك.لكن ماذا جرى بعد ذلك؟
كيف انحدر المثقف من موقع المواجهة إلى مقاعد التكيّف؟ !!
كيف تحولت الثقافة العراقية من قوة تقود الشارع إلى ديكور يلتقط الصور في المهرجانات؟ وكيف صار الشاعر يبحث عن دعوة عشاء من مسؤول فاسد بدلاً من أن يكتب قصيدة تهزّ عرشه؟!!الذي جرى ببساطة أن الخراب لم يكتفِ بسرقة الدولة، بل سرق روح الإحتجاج نفسها. السلطة لم تك غبية؛ فهمت مبكراً أن أخطر ما يهددها ليس السلاح، إنما الوعي. لذلك بدأت عملية تدجين الثقافة ببطء: شاعر يُشترى بمنصب، روائي يُخدَّر بجائزة، ناقد يتحول إلى سمسار علاقات عامة، . وهكذا، شيئاً فشيئاً، إنطفأت النار التي تشتعل في النصوص العراقية.صار المثقف العراقي خائفاً من خسارة الامتيازات الصغيرة، بينما كان أسلافه يخاطرون بحياتهم من أجل جملة واحدة.جيل كامل تربّى على فكرة أن النجاة أهم من الحقيقة، وأن “المرونة” أهم من الموقف، وأن الصمت نوع من الذكاء الإجتماعي. لهذا لم تعد الثقافة تقود الشارع، لأن كثيراً من المثقفين صاروا جزءاً من السوق السياسية والطائفية والتمويل المشبوه.ثم جاءت الكارثة الأكبر: مواقع التواصل.حولت المثقف من مشروع وعي إلى مشروع ظهور. لم يعد السؤال: ماذا نكتب؟ بل: كم إعجاباً نحصل عليه؟ صار كثير من النصوص مجرد مواد استهلاكية سريعة، خالية من الخطر، معقمة من الغضب، مكتوبة بعناية كي لا تُغضب أحداً. بينما العراق يغرق في الفساد والقبح والإنهيار، كان بعض شعرائه يتنافسون على أفضل صورة في مهرجان رديء الإضاءة.حتى اللغة أُصيبت بالوهن.كانت القصيدة العراقية يوماً ما تشبه صفعة على وجه السلطة، أما الآن فكثير منها يشبه منشور مواساة بارد. إختفى ذلك الجوع الوحشي للحقيقة، واختفت الرغبة في هدم الأصنام، لأن الثقافة حين تفقد شجاعتها تتحول إلى أرشيف ميت.وساحة السباع ليست سوى مرآة لهذا الانهيار.حين تصبح ساحة حملت ذاكرة الإحتجاج الوطني مكباً للنفايات، فهذا لا يعني إهمال بلدية أو فساد أمانة بغداد، يعني أن البلاد كلها فقدت إحترامها لذاكرتها. الأمم التي تنسى ساحات غضبها تتحول بسرعة إلى شعوب قابلة للترويض. ولهذا لم يك مشهد القمامة في ساحة السباع مشهداً خدمياً، بل مشهداً سياسياً وثقافياً وأخلاقياً فاضحاً.ومع ذلك، فإن أخطر ما يمكن فعله الآن هو البكاء النوستالجي على الماضي فقط.العراق لا يحتاج تماثيل جديدة للشعراء بقدر ما يحتاج شعراء جدد يمتلكون شجاعة الحرق. لا يحتاج مهرجانات خطابية فارغة، بل أصواتاً قادرة على فضح القبح دونما خوف. الثقافة لا تستعيد دورها عبر البيانات الأنيقة، بل حين تعود لتكون خطراً حقيقياً على الفساد، وحين يشعر اللصوص أن القصيدة قد تهددهم أكثر من نشرات الأخبار.لأن البلاد التي مات فيها غضب المثقف… تموت ببطء، حتى لو بقيت واقفة على الخريطة.والحقيقة الأكثر قسوة أن العراق اليوم لا يعاني فقط من فساد السياسيين، بل من إنهيار الضمير الثقافي أيضاً.اللصوص سرقوا النفط، نعم، لكن كثيراً من المثقفين سمحوا بسرقة المعنى. وحين يُسرق المعنى من شعبٍ ما، يصبح مستعداً للتعايش مع أي خراب. لهذا لم تعد الفضيحة تهزّ أحداً، ولم يعد الجوع يصنع ثورة، ولم تعد الجثث توقظ اللغة. الناس تعبت، نعم، لكن الثقافة خانت دورها حين قررت أن تكون محايدة في معركة قذرة كهذه.أي حياد هذا والعراق يختنق؟!!
أي قصائد هذه التي تخاف من تسمية القاتل؟!!
أي روايات هذه التي تبكي الوطن بلغة ناعمة كأنها تكتب إعلان عطر؟!!
الوطن ليس أمسية شعرية. الوطن مقبرة مفتوحة، والكتابة التي لا تقترب من النار ليست كتابة، بل حرفة تجميل للخراب.لقد تحولت بعض المنابر الثقافية إلى صالات علاقات عامة للسلطة، وصار بعض الشعراء يكتبون كما يكتب الموظف طلب ترقية. يمدحون الخراب بحذر، ويشتمونه بخجل، ثم يعودون إلى بيوتهم محمّلين بالمكافآت والصور التذكارية.
أما العراق الحقيقي، عراق الأرصفة المكسورة والأمهات المنسيات والشباب المبتلين بالمخدرات والبطالة والمقابر، فلا أحد يكتبه كما ينبغي، لأن كتابته تحتاج قلباً مستعداً للخسارة، لا معدةً تبحث عن الولائم.
أين ذلك المثقف الذي كان يقف بوجه السلطة أعزل إلا من صوته؟!!
أين ذلك الجنون النبيل الذي جعل القصيدة العراقية يوماً تُرعب الحكومات؟!!
تم استبدال المثقف المشاغب بمثقف “أنيق”، يعرف كيف ينجو، كيف يبتسم، كيف يصافح الجميع، وكيف لا يقول شيئاً حقيقياً…
ويا للخسارة…
بلد أنجب السيّاب والنوّاب .. وبحر العلوم ،،والجواهري.. تحاول بعض نخبه اليوم إقناعنا بأن “السكوت حكمة”، بينما النفايات تأكل ساحة السباع، والفساد يأكل الدولة، والطائفية تأكل الروح، والخوف يأكل اللغة. التاريخ لا يرحم الجبناء.
وسوف يأتي يوم يُسأل فيه هذا الجيل الثقافي كله: أين كنتم حين كان العراق يُذبح علناً؟!!
هل كنتم تكتبون..أم كنتم ترتبون مقاعد المهرجانات؟!!
هل كنتم تصرخون..أم كنتم تلتقطون الصور مع القتلة ببدلاتهم الأنيقة؟!!
العراق لا يحتاج اليوم مثقفاً لطيفاً.
العراق يحتاج مثقفاً يزعج، يهدم، يفضح، يصرخ، ويكسر الطمأنينة الكاذبة التي تغطي العفن الوطني. يحتاج لغةً تشبه صفارات الإنذار، لا موسيقى الصالونات. لأن البلاد التي تتحول فيها الساحات الثورية إلى مزابل، ولا يغضب أحد… تكون قد إقتربت كثيراً من موتها الأخير.!!