الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
أرشد توفيق شاعر قتله الحزن

بواسطة azzaman

أرشد توفيق شاعر قتله الحزن

كامل الشرقي

 

كان الشاعر والروائي العراقي أرشد توفيق واحداً من الأصوات الشعرية التي امتلكت خصوصيتها الهادئة في المشهد الثقافي العراقي، فلم يكن شاعراً صاخباً أو ميالاً إلى الادعاء، بل كان ابن الحساسية المرهفة التي صاغتها بيئة الموصل بما فيها من أنهار ووديان وغابات وروائح تراب عتيقة. ومن هذه الطبيعة الشمالية الشفيفة استمد عذوبة لغته ورقّة صوره الشعرية، فبدت قصيدته أقرب إلى نشيد داخلي حزين، تتجاور فيه التأملات الإنسانية مع الحنين والأسئلة الوجودية العميقة.

لقد عرفتُ أرشد توفيق عن قرب منذ مطلع سبعينيات القرن الماضي، وكانت بيننا صداقة متينة لم تنقطع عبر السنوات. وقد كنتُ أول من دعاه إلى المساهمة في البرامج الثقافية الإذاعية عندما كنتُ رئيساً للقسم الثقافي في إذاعة صوت الجماهير، يوم كان لا يزال في بداياته الأدبية الأولى. ومنذ ذلك الوقت أخذ حضوره الثقافي يتسع بهدوء وثقة، خصوصاً بعد أن تولّى رئاسة تحرير مجلة “المثقف العربي”، حيث بدا واضحاً امتلاكه رؤية ثقافية ناضجة تجمع بين الحس الإبداعي والوعي الفكري.

ثم توطدت علاقتنا أكثر عندما أصبح مديراً لإذاعة بغداد، فصرنا لا نفترق طوال ساعات العمل، وكانت تجمعنا، إلى جانب الزمالة الثقافية، علاقة عائلية جميلة زادت من عمق تلك الصداقة الإنسانية النادرة. وكان أرشد توفيق في حياته اليومية يشبه قصيدته تماماً؛ هادئاً، نبيلاً، قليل الضجيج، لكنه عميق التأثير في كل من يقترب منه.

وفي تجربته الشعرية، لم يكن معنياً بالشعارات أو البلاغة الفارغة، بل انشغل بالإنسان وقلقه ومصيره، لذلك جاءت قصائده مشبعة بالتأمل والوجد الشخصي. ففي ديوانه المبكر “النجم والدرويش” الصادر عام 1967، تتجلى النزعة الرومانسية الممزوجة بإشراقات صوفية شفافة، بينما بدا أكثر نضجاً وتمرّداً في ديوانه “الوقوف خارج الأسماء” الصادر عام 1973، حيث أخذت لغته تتجه نحو كثافة رمزية أعلى ورؤية أكثر قلقاً للعالم والذات.

ولم تتوقف موهبته عند الشعر، بل امتدت إلى الرواية، إذ أصدر روايته المؤثرة “نصف السماء” بعد الفاجعة الكبرى التي هزّت حياته بوفاة أصغر أولاده في حادث سير. وقد ترك ذلك الحادث أثراً عميقاً في روحه وفي مسيرته الإبداعية، حتى بدا وكأن حزنه الشخصي قد تسرب إلى لغته كلها، فأصبحت أكثر شفافية وأشد وجعاً، وكانت تلك الرواية صرخة أب مكلوم بقدر ما كانت عملاً أدبياً يكشف هشاشة الإنسان أمام القدر.

كما خاض أرشد توفيق تجربة العمل الدبلوماسي، فشغل لسنوات عدة منصب السفير العراقي في إسبانيا وكوبا ودولة الإمارات العربية المتحدة، واستطاع أن يقدم صورة المثقف العراقي الرفيع الذي يجمع بين الثقافة والتمثيل الدبلوماسي بوعي وحضور لافتين. غير أن المناصب لم تغيّر طبيعته الإنسانية المتواضعة، فقد ظل وفياً لأصدقائه ولعالمه الثقافي الأول.

وبعد تقاعده استقر في لندن مع أسرته، مواصلاً انشغاله بالأدب والكتابة بعيداً عن الأضواء، إلى أن فُجع الوسط الثقافي والإعلامي العراقي برحيله يوم السبت 15 فبراير 2025 في العاصمة البريطانية، بعد مسيرة حافلة بالعطاء الشعري والثقافي والدبلوماسي.

إن الحديث عن أرشد توفيق ليس حديثاً عن شاعر فحسب، بل عن جيل كامل من المثقفين العراقيين الذين حملوا الثقافة بوصفها رسالة حياة، وعاشوا للأدب بإخلاص نادر. لقد كان شاعراً رقيقاً مثل مياه دجلة حين تعبر الموصل، وحزيناً مثل غروب بعيد في شمال العراق، فيما يبقى اسمه واحداً من الأسماء التي تركت أثرها الهادئ والعميق في الذاكرة الثقافية العراقية.

 

 

 

 


مشاهدات 56
الكاتب كامل الشرقي
أضيف 2026/05/20 - 3:33 PM
آخر تحديث 2026/05/21 - 1:45 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 124 الشهر 19617 الكلي 15864811
الوقت الآن
الخميس 2026/5/21 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير