الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الشخصية العراقية والمزاج الصعب

بواسطة azzaman

الشخصية العراقية والمزاج الصعب

عبدالهادي البابي

 

تُعد الشخصية العراقية من أكثر الشخصيات إثارة للجدل والبحث والنقاش في السياسة والتاريخ ، فهي شخصية مركبة تجمع بين أقصى درجات الكرم والشجاعة ، وأقصى درجات التمرد والرفض...هذا (المزاج الصعب) لم يكن وليد الصدفة ، بل نتاج تراكمات حضارية وجغرافية وسياسية جعلت من العراقي عصياً على التدجين.. هناك وصية تُنسب لمعاوية بن أبي سفيان لإبنه يزيد جسدت قمة الدهاء السياسي في التعامل مع هذا المزاج المتفجر...تقول الرواية إن معاوية قال :

[ وانظر أهل العراق، فإن سألوك أن تعزل عنهم كل يوم عاملاً فافعل ، فإن عزل عامل أحب إليّ من أن يشهر عليك مائة ألف سيف ]..

وتعد هذه الوصية - بغض النظر عن موقفنا من معاوية وإبنه يزيد - واحدة من أعمق القراءات التاريخية التي فهمت (شيفرة) التعامل مع المجتمع العراقي.

فقد فهم معاوية التكلفة السياسية ، و أدرك أن أهل العراق يمتلكون طاقة هائلة على التجمع والقتال (مائة ألف سيف) ، وهي طاقة إذا ما وُجهت ضد السلطة ، فستكون تكلفتها باهظة جداً، قد تصل لإسقاط الدولة.... والمعروف أن العراقيين إذا كرهوا شخصاً، تحول كرههم إلى فعل مسلح سريع ،  لذا فإن التضحية بمسؤول (وزير أو والي أو رئيس ) هو ثمن بخس مقابل الحفاظ على إستقرار الدولة...فهويعتقد إن إمتصاص الغضب بتغيير الوجوه يمنح الشعب شعوراً بالإنتصار والقدرة على التغيير، مما يفرغ شحنات التمرد لديهم.

إن رفض العراقي للحاكم ليس رفضاً لفكرة (الحكم) بقدر ما هو رفض لـ (الإستعلاء).. والتاريخ العراقي المليء بالثورات يعطي مؤشراً واضحاً على أن العراقيين يبحثون دائماً عن العدالة المطلقة..فالحاكم في الوجدان العراقي لا يُقبل إلاّ إذا كان (عادلاً وقوياً ) في مقاييسهم الخاصة، وهي مقاييس مرتفعة جداً..فهم يرفضون أن يُحكموا من قبل شخص ضعيف لا يشبههم أو لا يشعر بمعاناتهم ،وإذا قادهم إحساسهم أن الحاكم مجرد واجهة لجهة خارجية يؤدي ذلك فوراً إلى تفعيل (مائة ألف سيف) التي تحدث عنها معاوية.

وإذا كان هناك وصف للعراقيين بأنهم (أهل شقاق ونفاق)  في بعض الروايات التاريخية فهي صفة كان يُقصد بها التمرد السياسي وليس الأخلاقي.. فهم يمتلكون ذكاءً حاداً يجعلهم يشخصون عيوب الحاكم بسرعة وينقلبون عليه.

خلاصة القول ....الشخصية العراقية ليست (متقلبة المزاج ) من أجل التقلب ، بل هي شخصية تفاعلية جداً...هي كالبحر، هادئ وكريم ، لكنه يتحول إلى إعصار إذا شعر بالظلم أو التهميش، ووصية معاوية لم تكن تقليلاً من شأنهم، بل كانت إعترافاً ضمنياً بقوتهم وبأسهم، وبأن إرضاء العراقيين غاية تُدرك بالسياسة والمرونة، لا بالعناد والمكابرة.


مشاهدات 64
الكاتب عبدالهادي البابي
أضيف 2026/05/06 - 2:43 PM
آخر تحديث 2026/05/07 - 1:23 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 85 الشهر 5886 الكلي 15251080
الوقت الآن
الخميس 2026/5/7 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير