الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
قراءة في فلسفة مونت كريستو والواقع العراقي المعاصر


من زنزانة المكونات إلى أفق الأمة 

قراءة في فلسفة مونت كريستو والواقع العراقي المعاصر

محمد صالح للبدراني

 

خطّ ألكسندر دوما (الأب)" 1844 ملحمته الكونت دي مونت كريستو"، ولم يكن يعلم أنه يقدم للعالم تشريحاً أبدياً لفكرة العدالة في مواجهة الظلم؛ اليوم، ونحن نتأمل المشهد السياسي في العراق والمنطقة، نجد أننا لا نحتاج لاستعادة القصة كترف أدبي، بل كضرورة فلسفية لتفكيك سجوننا النفسية.

وهم السلطة وعقلية "شاتو دْ يف"

أمضى إدموند دانتيس سنواته الأولى في السجن غارقاً في كوابيس الانتقام، بيد انه عندما خرج كان قد تحول عقله إلى "مشروع بناء"، المأساة التي تعيشها النخب المؤثرة اليوم هي بقاؤها في زنزانة "فرض الإرادات"، وما يُمارس اليوم هو تعبير غريزي عن حب السطوة والنفوذ، وليس عقلاً سياسياً، لقد حان الوقت لتفهم هذه القوى أن "السلطة" هي وهم التمكين، بينما "القيادة" هي احتواء الكل، و"الزعامة" هي القدرة التنفيذية على تحقيق العدالة، ففرض إرادة مشوهة في تعاملات ظالمة، أو تغليب ظلم تحت مسمى المصلحة، ليس إلا نفقاً يؤدي إلى دورات انتقام أي الكونت دي مونت كريستو بدون الأب فاريا.

الدولة كبناء لا كإكراه

الدولة، بمعناها الفلسفي والعملي، هي نظام إداري وسياسي برؤية "بناء"، وليست منصة لتقاسم الغنائم، فالقوة التي لا تخدم الأمة هي قوة غاشمة ستمزق نفسها في النهاية، لا وجود لدولة بلا "أمة"، وبدون أمة موحدة، مهما نُفخ في سلطات واهية، ستظل عاجزة عن تحقيق العدل وحتى ديمومة الوجود ذلك الوهم الذي توحيه السلطة وبهرجتها، الأمة هي الجماعة التي تقرر تجاوز "هوية المكون" الدفاعية لتنصهر في "هوية الدولة" لبناء مستقبل يستحقه البلد، المكون هو زنزانة قلعة شاتو شيدها الآخرون لك لتبقى خائفاً، الأمة هي الفضاء الذي تكتشف فيه أن قوتك ومصيرك ليس في 'طائفتك'، بل في دولة تكون في أحضانها، لا لأنك رقم في حصة انتخابية، الدولة لا تُبنى بالمحاصصة، بل بالانتماء الكلي." 

القيادة الحقيقية اليوم تقتضي "الاعتراف" بأن الزعامة ليست أداة للنفوذ، بل هي مسؤولية أخلاقية تجاه جيل صاعد (دانتيس الجديد) يمتلك العلم والرؤية، لكنه ينتظر لحظة الهروب من زنزانة المحاصصة.

تقنيات الكونت دي مونت كرستو والحاضر

تعافى الكونت عبر "الاستغناء السيادي" والقوة الاقتصادية والمعرفية، فإن تعافي العراق الحقيقي من ماضيه المؤلم لا يكون بالدم، بل بالاستقلال، التحرر من قيود القوى الفاعلة ومنطق التبعية يتطلب تحويل حطام الماضي إلى "كنز الأب فاريا" من الاستقرار والنهضة التقنية، العدالة الحق هي الوصول لمرحلة "الاستقلال عن إرادة الجلاد"، حيث تصبح الدولة فاعلاً دولياً يُحترم بقوة شعبه لا تابعا لإرادات الخارج.

. النخبة الفاشلة:

"الثقافة ليست زينة للمجالس، عندما تفشل النخبة في تحويل 'غريزة التسلط' إلى 'عقل الدولة'، فإنها تفقد شرعيتها الأخلاقية، التاريخ لا يرحم الضحايا، لكنه يبصق على الجلادين الذين أضاعوا الفرصة."

العدالة العراقية المنشودة هي "عدالة التجاوز" لا "عدالة الثأر"، قوة الكونت دي مونت كريستو لم تكن في قتله لأعدائه، بل في كونه أصبح أغنى، وأذكى، "انتقام" العراق الحقيقي هو في استعادة سيادته التقنية والاقتصادية، وتحويل حطام الماضي إلى "كنز" من الاستقرار والنهضة، مما يجعل المتآمرين السابقين يتوسلون وده بدلاً من التآمر عليه.

فلسفياً: الانتقام يغلق الدائرة على الماضي، الكونت في نهاية الرواية أدرك أن الانتقام المطلق لم يجلب له السعادة، بل كاد يدمر الأبرياء معه، الأمة تُبنى عندما يتحول الولاء من "الزعيم الفرعي" إلى "القانون الكلي".

سياسياً: العراق اليوم يحتاج إلى "كنز الأب فاريا" (الحكمة، الموارد، وبناء القوة الذاتية) وليس إلى أوهام الثأر، العدالة للعراق تكمن في الاستغناء والقوة (كما فعل الكونت حين أصبح غنياً ومستقلاً) بحيث لا يجرؤ أحد على سجنه مرة أخرى، بدلاً من الدخول في صراعات انتقامية تستنزف ما تبقى من دماء، ونحن نتحدث عن المستقبل نرى الفرق بين الكونت والمجرم العادي هو أن الأول يطلب "العدالة" والثاني يطلب "الدم"، الدولة التي تؤسس على الانتقام تؤسس لزوالها، لأن كل فعل سيولد رد فعل مساوٍ له في الحقد.

استراتيجيا: القوة التي استمدها الكونت من كنز الجزيرة يجب أن تترجم عراقياً إلى "استقلال اقتصادي تقني"، فالأمة التي تأكل مما لا تزرع وتلبس مما لا تصنع، تبقى رهينة لزنازين القوى الكبرى (فيلفورت ودانغلار العصر الحديث).

امنحوا التنفس للحصان المخنوق: إن النصيحة المخلصة للقوى المؤثرة اليوم هي إدراك لحظة "الفشل التاريخي" في بناء الأمة، إن العراق يشبه اليوم "حصاناً أصيلاً مخنوقاً" بفعل تضارب الغرائز وتكالب المصالح الضيقة، من مصلحة هذه النخب، قبل أن يجرفها طوفان التاريخ، أن "تمنح التنفس" لهذا الحصان؛ أن ترفع أيديها عن خناق الدولة، وتسمح لمنطق "النظام الإداري" أن يعمل بعيداً عن تسييس ما استحدث من مكونات لم تك يوما إلا واحدا متشاركا الألم.

خاتمة: خيار السيادة

إن فلسفة مونت كريستو تنتهي بالحكمة: "انتظر وامل"، وأن الله وحده هو من يملك ميزان العدل المطلق، فيرحل تاركاً وراءه قصراً من الذهب وروحاً مثقلة بالتأمل، لكن في واقعنا، الأمة لا تنتظر بل "تصنع"، العدل لا يُستجدى من مراكز القوى، بل يُفرض بنظام الدولة القوي، وللنخبة أن تختار: إما أن تكون جزءاً من بناء "الأمة" التي تحتوي الجميع، أو أن تظل سجينة لغرائز السلطة حتى يقضي التاريخ أمره، لقد آن الأوان ليفهم الجميع أن السيادة تبدأ من الداخل، وأن قوة الأمة هي الضمانة الوحيدة لعدم العودة إلى قلعة "شاتو ديف".                

 


مشاهدات 68
الكاتب محمد صالح للبدراني
أضيف 2026/05/06 - 2:55 PM
آخر تحديث 2026/05/07 - 2:08 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 111 الشهر 5912 الكلي 15251106
الوقت الآن
الخميس 2026/5/7 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير