خطوة إلى الأمام في بغداد.. ما الذي يؤخر ولادة حكومة إقليم كردستان ؟
محمد علي الحيدري
ما أن خرجت بغداد من نفق الانسداد السياسي، ورتّبت سلطتها التنفيذية بعد أشهر ثقيلة من التعطيل، حتى بدا المشهد وكأنه رسالة سياسية مفتوحة، لا موجّهة للداخل فحسب، بل إلى جميع الشركاء في الدولة الاتحادية. رسالة خلاصتها أن الإرادة السياسية، مهما تعقّدت التوازنات وتشابكت المصالح، قادرة على كسر الجمود متى ما قُدِّمت المصلحة العامة على حساب الحسابات الضيقة.
في هذا السياق، لا يُفترض أن تُقرأ خطوة بغداد بوصفها سبقا على أحد، ولا إحراجا لأي طرف، بل بوصفها فرصة. فرصة لإقليم كردستان العراق كي يلتقط الإشارة الإيجابية، ويحوّلها إلى دافع جاد للإسراع في تشكيل حكومته المنتظرة، بما يعزز الاستقرار السياسي داخل الإقليم، ويمنحه زخما إضافيا في علاقته مع المركز.
لقد أثبتت تجربة الأشهر الماضية أن الفراغ السياسي، مهما كانت مبرراته، يتحول مع الوقت إلى عبء على المواطن أولا، وعلى صورة النظام السياسي ثانيا. وفي الإقليم، حيث تتقاطع التحديات الاقتصادية مع استحقاقات الحكم، يصبح تأخير تشكيل الحكومة أكثر كلفة، لأنه يبدّد رصيد الثقة، ويضعف القدرة على التفاوض، ويؤخر معالجة ملفات معيشية ملحّة.
شراكة اتحادية
إن نجاح بغداد في تجاوز عقدة تشكيل الحكومة يمنح الأطراف الكردية نموذجا عمليا على أن التسويات، وإن بدت مؤلمة في لحظتها، أقل كلفة من استمرار الشلل. كما يذكّر بأن منطق الشراكة الاتحادية لا يكتمل إلا عندما يكون كل طرف قادرا على إدارة بيته الداخلي بكفاءة واستقرار، بما يعزز موقعه داخل الدولة لا خارجه.
التعويل هنا ليس على الضغط، بل على الحس الوطني. فاستقرار إقليم كردستان جزء لا يتجزأ من استقرار العراق، وأي حكومة اتحادية قوية تحتاج إلى شريك إقليمي منظم، يمتلك تفويضا سياسيا واضحا، ورؤية موحدة، وقدرة على اتخاذ القرار. تشكيل حكومة الإقليم لا يخدم أربيل وحدها، بل ينعكس إيجابا على بغداد، وعلى مجمل المشهد العراقي.
من هنا، تبدو خطوة بغداد جديرة بأن تُستثمر كعامل تشجيع وتحفيز، لا كمقارنة سلبية. خطوة تقول إن تجاوز الخلافات ممكن، وإن الاحتكام إلى الدستور والمؤسسات ليس شعارا بل ممارسة. وإذا ما التقط إقليم كردستان هذه اللحظة، وأسرع في إنجاز حكومته، فسيكون قد أسهم في ترسيخ معادلة الاستقرار الوطني، وفتح باب مرحلة أكثر توازنا وثقة بين المركز والإقليم.
إن الرهان اليوم ليس على من يسجل النقاط، بل على من يحسن قراءة اللحظة. ولعل أفضل قراءة لها أن تتحول تجربة بغداد إلى حافز، يسرّع ولادة حكومة الإقليم المنتظرة، ويعيد السياسة إلى مسارها الطبيعي: خدمة الناس، لا إدارة الانتظار.