فم مفتوح .. فم مغلق
للبيع.. لعدم التفرغ
زيد الحلي
أثناء مروري اليومي، في طريقي إلى العمل والعودة منه، ألاحظ ، كما يلاحظ غيري ، تزايد ظاهرة اليافطات التي تتدلى من واجهات المحلات التجارية، كبيرها وصغيرها، وهي تحمل عبارة: (للبيع لعدم التفرغ) وهي ظاهرة تعكس جموداً واضحاً في الحركة التجارية، وتشي بانحسار المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي تعد عماد أي ازدهار اقتصادي.
وحين تحريتُ عن أسباب هذه الظاهرة، وجدتُ أن العامل الرئيس، إلى جانب الانكماش الاقتصادي الذي يخيم على المشهد العام ، هو الارتفاع غير المبرر في بدلات الإيجار، فمحل بسيط في حي شعبي، كان إيجاره الشهري مليون دينار، أصبح اليوم مليوناً وسبعمائة وخمسين ألفاً، أما في مناطق مثل المنصور أو الكرادة أو العامرية، فقد بلغ إيجار محل لا تتجاوز مساحته (4×4) أمتار نحو ثلاثة ملايين دينار، وربما أكثر. فيما تجاوزت إيجارات البنايات التجارية الكبيرة أو محال الأجهزة الكهربائية ذات الواجهات المتعددة خمسة عشر إلى عشرين مليون دينار شهرياً.
هذا الارتفاع الحاد لا يؤدي فقط إلى إنهاك المستثمرين، بل يفضي إلى تجميد النشاط الاقتصادي، وتراكم الديون على أصحاب المشاريع، صغاراً وكباراً، ليجد الكثير منهم أنفسهم مضطرين إلى البيع أو الإغلاق، بعد أن تضيق بهم سبل الاستمرار.
إنها، بحق، ظاهرة باتت تحمل معولاً خطيراً يهدد بكسر ظهر الاقتصاد المحلي. فماذا بعد؟
إن ارتفاع إيجارات المحلات التجارية والخدمية لا يقف عند حدود العلاقة بين المالك والمستأجر، بل يمتد ليترك آثاراً مباشرة على حياة المواطن اليومية، إذ يدفع أصحاب المحلات إلى تحميل كلفة الإيجار المرتفعة على أسعار السلع والخدمات، مما يؤدي إلى موجة تضخمية تثقل كاهل المستهلك، الذي يعاني أصلاً من تراجع قدرته الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة.
كما يُلاحظ أن زيادات الإيجارات تتم غالباً وفق أهواء بعض الملاك، أو عند تجديد العقود، دون ضوابط واضحة، الأمر الذي يخلق حالة من عدم الاستقرار في السوق. وتزيد ظاهرة «التأجير من الباطن» الطين بلة، إذ تسهم في رفع الأسعار بشكل مضاعف وغير منطقي.
ولا تقف التداعيات عند هذا الحد، فإغلاق المحلات أو بيعها يعني تسريح المزيد من العمالة، وارتفاع معدلات البطالة، وتضييق فرص العمل، ولاسيما أمام الشباب الراغبين في إطلاق مشاريعهم الخاصة، حيث تلتهم الإيجارات المرتفعة الجزء الأكبر من رؤوس أموالهم قبل أن تبدأ عجلة العمل بالدوران.
إنني أجد أن ارتفاع إيجارات المحلات التجارية لم يعد مجرد إشكالية عابرة، بل تحول إلى أزمة مركبة تمسّ بنية الاقتصاد اليومي للمواطن، وتستدعي تدخلاً جاداً لوضع ضوابط عادلة تنظم العلاقة بين المالك والمستأجر، وتحمي النشاط التجاري من الانهيار.
فهذا الواقع لم يعد يحتمل التأجيل، وهو بحاجة إلى معالجة جذرية من قبل الدولة والجهات المعنية، قبل أن تشهد بغداد والمحافظات تراجعاً حضارياً مؤلماً، يعيدنا إلى مشاهد البيع على الأرصفة، ويقوّض ما تبقى من ملامح السوق المنظم.
إن إنقاذ السوق اليوم لم يعد ترفاً إدارياً، بل ضرورة وطنية، تتطلب قراراً شجاعاً يعيد التوازن، ويصون كرامة العمل، ويمنح الأمل لمن يريد أن يبدأ، لا لمن أُجبر على أن ينتهي.
Z_alhilly@yahoo.com