المحاصصة والبيئة السلبية تعوق تحقيق مجتمع نزيه
سمير علي الحسون
في طريق الدول نحو النزاهة، لا يكفي سنّ القوانين وتشديد الرقابة، بل يتطلب الأمر بناء وعي قادر على صناعة التأثير الإيجابي وترسيخ القيم في سلوك الأفراد والمؤسسات. غير أن هذا المسار يصطدم بواقع سياسي واجتماعي معقد يجعل من الالتزام بالنزاهة تحدياً يومياً، حيث لا ينشأ الفساد من فراغ بل يتغذى على بيئة مضطربة تتسع فيها الفجوة بين النصوص القانونية وتطبيقها الفعلي. وعندما تتحول النقاشات العامة إلى صراعات واتهامات، يفقد الموظف تركيزه على الإبداع ويتجه نحو الحذر والتوجس، ما يخلق ثقافة تُحبط المخلصين وتُضعف حضور القدوة، فتبدو النزاهة سلوكاً معزولاً بدل أن تكون قاعدة عامة.
محاصصة حزبية
ويبرز التحدي الأعمق في غياب العدالة الاجتماعية والوظيفية، حيث يؤدي انتشار المحاصصة والحزبية والمحسوبية إلى تقويض تكافؤ الفرص، فيصبح الولاء بديلاً عن الكفاءة، وتتراجع ثقة الفرد بمؤسسته. هذا الواقع لا يحرم الطاقات من فرصها فحسب، بل يضعف الانتماء ويحوّل النزاهة إلى خيار مكلف، في وقت تتطلب فيه الدولة طاقات مبدعة تشعر بأن جهدها مقدَّر ومسارها المهني عادل وواضح. ومن هنا، تبرز مسؤولية الدولة بوصفها الفاعل الحاسم في إعادة توجيه المسار، عبر دعم وتعزيز دور هيئة النزاهة وتمكينها من أداء مهامها باستقلالية وكفاءة، إلى جانب تبنّي ثورة فكرية تصحيحية تستهدف النخب السياسية والمجتمع على حد سواء. فالإصلاح الحقيقي لا يتحقق بإجراءات رقابية فقط، بل يحتاج إلى إعادة بناء منظومة القيم، وترسيخ مفهوم الخدمة العامة بوصفه التزاماً أخلاقياً قبل أن يكون موقعاً وظيفياً، وبما يعيد الاعتبار لمبدأ العدالة ويحدّ من سطوة الانتماءات الضيقة.
ومع ذلك، لا تغيب إمكانية المواجهة على مستوى الفرد والمؤسسة، إذ يمكن تحويل الإبداع إلى وسيلة مقاومة فعّالة عندما يدرك الموظف أن المال العام مسؤولية جماعية تمس مستقبله ومستقبل المجتمع، وعندها يصبح الأداء المهني جزءاً من حماية هذا المال لا مجرد واجب وظيفي. وفي هذا السياق، يبرز التحول الرقمي والشفافية كأدوات حاسمة لإعادة التوازن، إذ يحدّان من تأثير العلاقات غير المهنية ويعززان مبدأ الجدارة، ما يفتح المجال أمام بيئة عمل أكثر عدلاً ووضوحاً.
ممتلكات عامة
غير أن أي إصلاح حقيقي لا يمكن أن يكتمل دون العودة إلى الجذور، حيث تبدأ صناعة النزاهة من الطفولة عبر غرس قيم الأمانة واحترام الممتلكات العامة، لتتواصل في المدارس والجامعات التي يقع على عاتقها بناء وعي يرفض المحسوبية ويؤمن بأن النجاح يرتبط بالكفاءة لا بالاستثناءات. إن بناء مجتمع نزيه ليس مهمة ظرفية، بل مشروع طويل يتطلب تكامل الجهد السياسي والإعلامي والتربوي، ويستند إلى إرادة حقيقية في تطبيق القانون بعدالة، مدعوماً بثورة فكرية تعيد صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع على أساس النزاهة والاستحقاق. فالنزاهة تبدأ بفكرة، وتنمو بالتأثير، وتترسخ بالإخلاص والممارسة اليومية، وعندما تصبح الكفاءة هي المعيار الوحيد للتقدم، تستعيد الدولة توازنها، ويتحول الموظف إلى عنصر منتج للقيمة، ويغدو الوطن مساحة عادلة يزدهر فيها الجميع بثقة واستحقاق.