أم كلثوم .. حينما نستمع للإحساس ولم نره
حسن الحيدري
شاهدت ذات مرة لقاء متلفزا قدمه التلفزيون المصري مطلع الثمانينيات مع القارئ عبد الباسط عبد الصمد وهو متوفر في مواقع التواصل حيث يسال المرحوم صمد عن وقت فراغه هل يستمع لاغاني فيجيب انه يعشق اغاني الراحلة ام كلثوم رحمها الله... عثرت ذات مرة اثناء بحثي بخزانة احد الاصدقاء المهتمين بالجانب الثقافي والفني على كاسيت مكتوب عليه ام كلثوم وبعد تشغيله حتى فوجئت بانها تلاوة للقران الكريم من سورة ابراهيم بصوت الراحلة والتي ابتدات حياتها بتعلم الحفظ والترتيل والمقامات حيث تعد ام كلثوم واحدة من اعظم رموز الغناء العربي اذ لم تكن مجرد صوت قوي بل فنانة صنعت تجربة متكاملة تجمع بين الكلمة واللحن والاداء وحتى المظهر ورغم ان معظم حفلاتها صورت بالابيض والاسود فان هذا الامر اخفى جانبا مهما من فنها وهو استخدامها الذكي للالوان في ملابسها لتعزيز احساس كل اغنية.
في اغنية فكروني من الحان الموسيقار المبدع محمد عبد الوهاب نرى صراعا داخليا واضحا بين محاولة النسيان والتمسك بالحبيب تبدا الاغنية بانكار وهدوء ثم تنفجر المشاعر في النهاية باعتراف صادق هذا التصاعد العاطفي يتناسب مع اللون الاحمر الذي يرمز الى القوة والشغف والتوتر وكانه يعكس ما يدور داخلها من مشاعر مكبوتة (كلموني تاني عنك وفكروني فكروني صحو نار الشوق بقلبي وفي عيوني).
اما سيرة الحب التي لحنها الاسطورة بليغ حمدي فهي رحلة حب تبدا بالخوف والتردد ثم تنمو تدريجيا لتصبح علاقة عميقة لذلك يمكن ربطها باللون الاخضر لانه يرمز الى النمو والهدوء والتجدد تماما كما تتطور مشاعر الحب في الاغنية (طول عمري بقول لاانا قد الشوق وليالي الشوق ولاقلبي قد عذابه) وفي امل حياتي التي لحنتها انامل موسيقار الاجيال عبد الوهاب يظهر الحب بشكل اكثر نضجا ودفئا حيث تمتزج المشاعر بالاستقرار والامل هنا يبرز اللون الذهبي كرمز للفخامة والعمق والقيمة الكبيرة لهذا الحب وكانه يعبر عن شيء ثمين لا يقدر بثمن (خليني جنبك خليني في حضن قلبك خليني وسيبني احلم سيبني ياريت زماني ميصحنيش) والتي جائت بعدها انت عمري حيث قيل ان الشاعر احمد شفيق قد كتبها بالروضة النبوية كنوع من مناجاة النبي الاكرم اما ودارت الايام فهي اغنية عن الزمن والذكريات والحنين حيث تختلط مشاعر الفقد بالامل ويمكن تخيل مزيج من اللونين الذهبي والاخضر فيها الذهبي للدلالة على الماضي وقيمته والاخضر لما تبقى من امل رغم مرور الوقت (وقابلته ونسين اني خاصمته ونسيت الليل اللي سهرته وسامحت عذاب قلبي وحيرته معرفش ازاي انا كلمته مقدرش على بعد حبيبي انا ليا مين الا حبيبي).
ما يميز هذه الاغاني الاربع انها ليست مجرد الحان وكلمات بل تجارب انسانية كاملة وكانت ام كلثوم تضيف اليها بعدا بصريا من خلال اختياراتها للالوان لكن التصوير بالابيض والاسود لم ينقل هذا الجانب فبقي الجمهور يسمع الاحساس دون ان يراه كاملا لهذا يمكن القول ان ام كلثوم لم تكن فقط تغني بل كانت تقدم عملا فنيا متكاملا يسمع ويرى في الوقت نفسه حتى لو لم توثق الكاميرات كل تفاصيله.