قصر سعد آباد.. التاريخ يقصف والذاكرة تبقى
حمدي العطار
في زمن الحروب، لا تستهدف الجغرافيا وحدها، بل تمتد نيران الصراع لتطال الذاكرة الإنسانية نفسها. وحين تقصف المعالم التراثية، فإن الضربة لا تكون لحجر أو جدار، بل لجزء من تاريخ الشعوب وهويتها. ومن بين تلك الشواهد، يبرز قصر سعد آباد في طهران، بوصفه واحدا من أهم المعالم التاريخية التي تختزن في تفاصيلها حكاية سلطة سقطت، وشعب استعاد مكانه.
استهداف رمزية
في تطور خطير، طال العدوان الأمريكي أحد القصور التراثية في طهران، وهو قصر سعد آباد، ذلك المكان الذي زرته عام 2022 ودونت عنه انطباعات ما تزال حية في الذاكرة. ويأتي هذا الاستهداف في ظل تجاهل مؤلم لرمزية (الدرع الأزرق) الذي يفترض أن يحمي المواقع التراثية المصنفة ضمن اليونسكو، ما يطرح تساؤلات جدية حول مصير الإرث الإنساني في زمن النزاعات.
عند عبور بوابة القصر الواسعة، حيث كان يقيم شاه إيران قبل سقوط نظامه، يتسلل الزائر إلى عمق التاريخ. هنا، تتزاحم الصور في الذهن لحظة رحيل الشاه، وقراره أن يترك كل شيء كما هو، مودعا حياة من الرفاهية والسلطة. المكان نفسه يحتفظ بملامح تلك اللحظة، كأن الجدران ما تزال تروي القصة.
تمتد الغابات الخضراء المحيطة بالقصر بشموخ مهيب، في فضاء كان يوما محرما على عامة الناس. أما اليوم فقد تحول إلى متنفس مفتوح، تطأه أقدام الزائرين من كل مكان، إيرانيون وسياح من مختلف الجنسيات، يتجولون بين ممراته بفرح واضح، بعدما كان حكرا على العائلة الحاكمة. لقد تغير المعنى من ملكية مغلقة إلى فضاء شعبي، ومن عزلةٍ سلطوية إلى انفتاح إنساني.
جولة في الذاكرة
ندخل القصر كأننا نرافق الشاه نفسه، نمر عبر الأشجار الكثيفة التي تشبه الغابة أكثر من كونها حديقة. وربما لم يكن الشاه منشغلا بتفاصيل الإدارة اليومية بقدر اهتمامه بمقتنياته الخاصة، مثل متحف الأسلحة، الذي يضم هدايا من رؤساء دول العالم, بنادق ومسدسات أوروبية، وأسلحة أمريكية لافتة للنظر، تعكس طبيعة العلاقات الدولية في تلك الحقبة.
نواصل الرحلة إلى عالم الفن، حيث لوحات فنان القصر، المحفوظة بعناية خلف الزجاج، هناك، تتجلى الحساسية الفنية في أعمال سريالية آسرة تقف أمامها مأخوذا بالتفاصيل، حتى تكاد تنسى حدود المكان، كما حدث حين اقتربت أكثر مما ينبغي، ليقطع جرس الإنذار لحظة التأمل.
ومن الفن إلى المطبخ، حيث وجه آخر من حياة القصر، متحف يوثق تفاصيل الطعام وأدواته، من أجهزة الطهي إلى وسائل حفظه، مرورا بأصناف اللحوم والمعجنات، في عرض يوقظ الحواس ويستحضر رفاهية الحياة التي كانت تعاش هنا.
الماضي الحاضر
نغادر القصر، كأننا نخرج من زمن إلى آخر. لم يعد المكان إمبراطوريا كما كان بل صار أكثر قربا من الناس، دون أن يفقد أناقته ونظافته. في الخارج، تثير الانتباه دوريات الشرطة النسائية، التي تراقب الالتزام بقواعد اللباس، في مشهد يعكس تحولات المجتمع وتعقيداته. وبين من يلتزم ومن يتمرد، تتشكل صورة أخرى لإيران المعاصرة، حيث تتقاطع التقاليد مع الرغبات الفردية.
يبقى قصر سعد آباد شاهدا حيا على تحولات عميقة من سلطة إلى شعب، ومن عزلة إلى انفتاح، ومن تاريخٍ محفوظ إلى ذاكرة مهددة. إن استهداف مثل هذه المعالم لا يطمس الماضي فحسب، بل يهدد حق الأجيال في معرفة تاريخها. وبين أنقاض الحروب، تظل الذاكرة الإنسانية تقاوم، وتصر على البقاء.